الحصاد 24

“الحقيقة التي عرت بعض الدول وأدت إلى التشويش: الجزائر نموذجا”

alt=
إدريس طيطي
كل شيء أصبح واضحا فاضحا منذ اللحظات الأولى لانطلاق كأس إفريقيا. ما جرى لم يكن مجرد بطولة كروية ولا تنافسا رياضيا عاديا، بل مسارا ممنهجا لتسميم الأجواء. انطلق مبكرا عبر إعلام جزائري مرتبط باستوديوهات مأجورة من نظام العسكر، اشتغل على ضخ خطاب تحريضي قائم على مفردات خطيرة من قبيل المؤامرة، وشراء الحكام، وشراء الذمم، والتخطيط المسبق لتتويج المغرب، والسيطرة على الكاف. لم تكن هذه المصطلحات بريئة ولا عفوية، بل أدوات شحن نفسي استعملت بإصرار، حتى تحولت عند فئات واسعة إلى مسلمات غير قابلة للنقاش. واهم من يعتقد أن هذه الأمور غير مدبرة، و ليس لها سوء نية كل شيئ واضح وضوح الشمس.
غالبية ساحقة من الشعب الجزائري مبرمجين متشبهين بخطابات عدائية على المغرب، فأمر طبيعي سينساق وراء هذا السلوك، لا عن وعي ولا عن تحليل، بل نتيجة تعبئة طويلة ومستدامة؛ تعليقات غاضبة، سب وشتم، جمل مفككة، وانفعال فارغ يعكس حالة خوف أكثر مما يعكس موقفا. والجزائر هنا معذورة بمعنى واحد فقط: أنها خائفة، خائفة من الحقيقة. لسنوات، تم تلقين شعبها أن المغرب يعيش الفوضى والفقر والانقطاع، وأنه العدو الكلاسيكي. فجأة، حين يشاهد الجزائري المغرب الحقيقي، سواء زائرا أو متابعا، يصطدم بصورة مغايرة تماما لما زرع في ذهنه: بلد آمن، منظم، بنية تحتية حديثة، ملاعب عالمية، ألوان وحياة. الصدمة هنا لا تنتج اعترافا، بل حقدا، لأن الحقيقة تفند الرواية من أساسها.
في بداية البطولة، انزلق مراسل تونسي واحد وكرر بعض المغالطات حول أكاذيب لانقطاع الكهرباء، لكنه لم يذهب بعيدا، لأن الصحافة الحرة في تونس تدخلت وصححت، وواجهت الانحراف، وأوقفت المسار علمت بسوء نية الهدف. موقف يحسب لتونس ويؤكد أن الإعلام المهني قادر على تصحيح نفسه. ما توقف هناك، استمر بقوة في الإعلام الجزائري، وانتقل للأسف إلى بعض الأصوات الإعلامية المصرية، لا كلهم، لكن بعضهم، رغم وعيهم وثقافتهم، انساق وراء نفس الخطاب، في مشهد يثير الاستغراب، ويكشف حجم الاختراق والتوجيه.
المنتخب السنغالي نفسه لم يكن طرفا في هذه الحملة في بدايتها. طوال أسابيع البطولة، عاش لاعبوه علاقة احترام وأخوة مع المغاربة؛ صلاة مشتركة، دعاء، تعاطف شعبي صادق، وتشجيع داخل الملاعب وخارجها. لم يكن هناك أي توتر ولا عداء. التحول وقع حين تسرب التحريض إلى الطاقم التقني، ومعه تغير السلوك. بدأ التمرد على القرارات التحكيمية، وظهر الانسحاب من الملعب، وجر الجمهور إلى حالة فوضى غير مسبوقة.
ما حدث لم يكن احتجاجا رياضيا، بل سلوكا متهورا قاده مدرب فاشل، انفعالي، بائع للأزمات، كاد أن يسوق البلد إلى كارثة حقيقية. الفوضى التي اندلعت، أصيب خلالها مواطنون مغاربة، وليس سنغاليين، ولولا حكمة ويقظة الأجهزة الأمنية، لكانت النتائج أخطر بكثير، وربما شهدنا قتلى في صفوف الجماهير. في تلك اللحظة، لم يعد يهم المغرب من فاز بالكأس، بقدر ما كان همه الأول هو الأمن وسلامة الجميع، وهو ما يكشف مرة أخرى الفرق بين من يفكر بعقل الدولة، ومن يشتغل بمنطق الفوضى.
ما وقع مس بصورة المغرب، وبمنشآته، وبالأموال التي صُرفت لرفع مستوى الكرة الإفريقية، وبالجهد الذي بُذل لنقل كأس إفريقيا من منطق الأدغال إلى عالم الألوان والتنظيم والمعايير العالية. رفع المغرب السقف، ورفع المعايير، ورفع صورة القارة، وكان طبيعيا أن يخلق ذلك حقدا لدى دول وأنظمة تعرف أن شعوبها ستقارن وتسأل. حين تعجز عن الإصلاح، تختار التحريض.
وسط كل هذا، يظهر الخلل الأكبر بوضوح مؤلم، وهو ضعف الإعلام المغربي؛ إعلام غائب، متأخر، غير استباقي، ترك الساحة فارغة للروايات المعادية، ولم يحاصر الأكاذيب في مهدها، ولم يقد معركة الوعي كما يجب. ما حدث في نهائي كأس إفريقيا ليس خسارة كأس، بل درس قاس. المعركة اليوم لم تعد في الملعب فقط، بل في الصورة والرواية، ومن لا يدرك ذلك سيظل دائما يدافع متأخرا، مهما كان قويا على الأرض.
Exit mobile version