الجزائر بين حسابات التوازن وهاجس العزلة في ازمة الخليج
ادارة النشر
ادريس طيطي – مجرد رأي
في خضم التصعيد العسكري الذي شهدته منطقة الخليج، برز الموقف الجزائري متاخرا مقارنة بموجة الادانات العربية الواسعة. فبعد ايام من التطورات المتسارعة، اعلنت الرئاسة الجزائرية ان الرئيس عبد المجيد تبون اجرى اتصالا بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، اطمأن خلاله على الاوضاع، معربا عن امله في عودة السلم والامن في اقرب الاجال.
بالتوازي، استقبل وزير الخارجية احمد عطاف سفراء الدول العربية التي تعرضت لاعتداءات عسكرية، مؤكدا تضامن الجزائر الكامل ورفضها المساس بسيادة هذه الدول ووحدتها الترابية، وداعيا الى الوقف الفوري للتصعيد وتغليب منطق الحوار وضبط النفس.
من حيث الشكل، يبدو الموقف منسجما مع الدبلوماسية الجزائرية التقليدية التي ترفع شعار الحلول السلمية وعدم التدخل. غير ان قراءة ما بين السطور تطرح اسئلة حول توقيت هذا التضامن، خاصة في ظل علاقات الجزائر الجيدة مع طهران، وفي سياق اتهامات سابقة بانها كانت اقرب الى تفهم الرواية الايرانية قبل ان تتضح كفة الاصطفاف العربي.
هنا يستحضر البعض مثلا مغاربيا دارجا يقول مع الرابحة، في اشارة الى الميل للوقوف في صف الطرف الغالب بعد اتضاح موازين القوى. فهل راهنت الجزائر في البداية على حسابات اقليمية مرتبطة بعلاقتها مع ايران، ثم وجدت نفسها امام اجماع عربي واسع، فسارعت الى اعادة تموضعها تفاديا للعزلة.
اللافت ان البيان الجزائري جاء بصيغة متوازنة، تضامن مع الدول المتضررة من دون توجيه ادانة مباشرة لطهران او تحميلها المسؤولية صراحة. هذا الاسلوب قد يقرأ كمحاولة للمحافظة على خيط رفيع بين شراكات متناقضة، لكنه في الوقت ذاته يضع الدبلوماسية الجزائرية امام اختبار المصداقية والوضوح.
تاريخيا، دافعت الجزائر عن مواقف اعتبرتها مبدئية، لكنها وجدت نفسها في اكثر من محطة امام تعقيدات اكبر من قدرتها على المناورة. وفي كل مرة، يبرز التساؤل حول ما اذا كانت تدخل معارك سياسية تفوق وزنها الاقليمي، ثم تبحث عن مخرج يحفظ الحد الادنى من التوازن، حتى وان بدا ذلك على حساب الصورة الصلبة التي تحرص على تسويقها.
في الذاكرة الشعبية الجزائرية اغنية للفنان حسني بعنوان راني مرة هنا ومرة لهيه، وهي عبارة تختزل حالة التردد بين موقعين. وربما يجد بعض المراقبين في هذا العنوان استعارة رمزية لوضع دبلوماسي يحاول الوقوف في اكثر من مربع في آن واحد.
الازمة الحالية في الخليج كشفت مرة اخرى حساسية التموضع الجزائري بين تحالفات متشابكة. فاما ان تحسم خياراتها بوضوح وتتحمل كلفة ذلك، واما ان تواصل سياسة الخطوط الرمادية، حيث لا هي مع هذا بالكامل ولا مع ذاك تماما. وفي زمن الاستقطاب الحاد، قد لا يكون الوقوف في المنتصف خيارا مريحا كما كان في السابق