: الثقافة والفنون رافعة للتنمية

ادارة النشر4 مارس 2026آخر تحديث :
: الثقافة والفنون رافعة للتنمية
محمد زيات/ممثل ومخرج مسرحي
هل الثقافة ترف يمكن تأجيله؟ أم ضرورة تنموية لا يمكن تجاوزها؟
حين نتحدث عن التنمية، غالبًا ما ينصرف الذهن إلى الأرقام، البنيات التحتية، المشاريع الاقتصادية… لكننا نغفل أن التنمية في عمقها فعل إنساني قبل أن تكون رقمًا في تقرير. الإنسان هو محور التنمية، والثقافة هي التي تصنع هذا الإنسان، تصقل وعيه، تشكل ذوقه، وتمنحه القدرة على الحوار والاختلاف والإبداع.
لقد أكدت تجارب دول عديدة أن الاستثمار في الثقافة ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل هو استثمار طويل الأمد في الاستقرار الاجتماعي، في تقوية الانتماء، وفي بناء اقتصاد إبداعي قادر على خلق فرص الشغل. ويكفي أن نرى كيف جعلت مدن عالمية من الثقافة عنوانًا لهويتها، مثل برشلونة التي تحولت إلى قبلة ثقافية وسياحية بفضل استراتيجيتها في دعم الفنون، أو مونتريال التي بنت اقتصادًا متينًا حول الصناعات الإبداعية.
إن الثقافة ليست مجرد عروض موسمية، وليست مهرجانات عابرة تنطفئ بانتهاء منصاتها. الثقافة مشروع مستدام، يحتاج إلى رؤية، وإلى إرادة سياسية، وإلى شراكة حقيقية بين الفاعل الثقافي والمؤسسات المنتخبة والإدارة الترابية والقطاع الخاص.،
حين ننظر إلى واقعنا المحلي في القنيطرة، نجد طاقات فنية شابة، فرقًا مسرحية محترفة، مبدعين في مجالات متعددة، لكننا نجد في المقابل هشاشة في البنيات التحتية، ضعفًا في البرمجة القارة، وغيابًا لسياسات ثقافية واضحة المعالم. وهنا يطرح السؤال: كيف يمكن للثقافة أن تكون رافعة للتنمية إذا لم تُدرج ضمن الأولويات الاستراتيجية للجماعات الترابية؟
إن جعل الثقافة رافعة حقيقية للتنمية يقتضي الاشتغال على خمسة محاور أساسية:
أولًا: إدماج الثقافة في التخطيط التنموي المحلي، عبر تخصيص ميزانية قارة وواضحة، وربط المشاريع الثقافية بمؤشرات قياس الأثر الاجتماعي.
ثانيًا: الاستثمار في التربية الفنية داخل المؤسسات التعليمية، لأن الطفل الذي يتذوق المسرح والموسيقى والفنون، يكبر وهو أكثر انفتاحًا وتوازنًا، وأقل عرضة للتطرف والانحراف.
ثالثًا: دعم الصناعات الثقافية والإبداعية، من إنتاج مسرحي وسينمائي، إلى الفنون الرقمية، باعتبارها قطاعًا قادرًا على خلق فرص شغل حقيقية، خاصة في صفوف الشباب.
رابعًا: تأهيل الفضاءات الثقافية وإعادة الاعتبار لها، لأن البنية التحتية ليست جدرانًا فقط، بل فضاء لصناعة الوعي الجماعي.
خامسًا: اعتماد حكامة ثقافية قائمة على الشفافية والتشاركية، حيث يكون الفاعل الثقافي شريكًا في صناعة القرار، لا مجرد منفذ لبرامج جاهزة.
إن الفن ليس ترفًا، بل هو صمام أمان مجتمعي. المسرح على سبيل المثال، منذ نشأته في أثينا، كان فضاءً للنقاش العمومي، ولمساءلة السلطة، ولطرح الأسئلة الكبرى للوجود. واليوم، ما أحوجنا إلى فضاءات حوار جمالية تعيد الثقة بين المواطن ومحيطه.
إن التنمية التي لا روح فيها تبقى تنمية ناقصة. والروح التي تغذي المجتمع هي الثقافة. لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس في تنظيم حدث ثقافي عابر، بل في بناء سياسة ثقافية مستدامة، تجعل من المدينة فضاءً نابضًا بالحياة، وتجعل من الفنان فاعلًا تنمويًا معترفًا به.
وفي الختام، أدعو إلى صياغة ميثاق محلي للثقافة، يحدد الرؤية والأهداف والالتزامات، ويجعل من الثقافة والفنون رافعة حقيقية للتنمية الاجتماعية، لا شعارًا مناسباتيًا.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة