الإنجازات الخنفشارية التبونية.. أرقام ضخمة وواقع تحرقه النيران
إدريس طيطي – مجرد رأي –
لم يعد شيء يختبئ. كل شيء أصبح بالمكشوف، والواقع لم يعد يحتاج إلى كثير من الشرح، لأن المواطن يشاهد ويسمع ويقارن بنفسه بين ما يقال في الخطابات وما يحدث على الأرض. لسنوات، اعتاد الجزائريون على خطابات تتناثر فيها الأرقام الضخمة: مليارات الدولارات، مشاريع عملاقة، مساعدات لدول فقيرة، دعم لدول غنية، نفوذ في إفريقيا، وقوة ضاربة تتكرر في الخطاب الرسمي حتى أصبحت عبارة ملازمة للحديث عن الجزائر. لكن الحرائق جاءت هذه المرة لتضع كل تلك الأرقام أمام امتحان الواقع. بلد يملك النفط والغاز، ويعلن عن ثروات وإمكانيات هائلة، يجد مواطنوه أنفسهم في مواجهة النيران، بينما تطرح أسئلة بسيطة نفسها بقوة: أين الطائرات المتخصصة؟ أين المعدات؟ أين اللوجستيك؟ وأين استثمار هذه الثروات في حماية الإنسان والبيئة والممتلكات؟ لا أحد يطلب من الجزائر أن تمنع الكوارث، فهذا مستحيل، وإنما أن تكون مستعدة لها بما يتناسب مع ما تقوله عن نفسها وعن إمكانياتها. فإذا كانت الجزائر دولة نفط وغاز، فلماذا لا تكون لها قدرات لمواجهة الحرائق والكوارث تضاهي ما تمتلكه دول نفطية أخرى مثل قطر والإمارات والسعودية؟ ولماذا لا تتحول هذه الثروة إلى خدمات وبنية تحتية وحماية حقيقية للمواطن؟ وهنا تطرح أيضا مسألة الأولويات. أموال ضخمة تضخ خارج الحدود لتعزيز النفوذ وشراء المواقف، ودعم متواصل لقيادة البوليساريو بهدف مواصلة الصراع حول الصحراء المغربية وعرقلة المسار الدبلوماسي، بينما يظل المواطن في الداخل يواجه ضغوط الحياة ومشاكل الخدمات والكوارث. المشكلة إذن ليست في امتلاك الجزائر للثروة، وإنما في كيفية توظيفها وأين تذهب الأولوية. لكن أكثر ما يثير الانتباه هو الصمت الإعلامي. أين أولئك الذين كانوا يحتلون الاستوديوهات ويتحدثون لساعات عن المغرب وكرة القدم وكأس إفريقيا وإخفاقات المنتخب المغربي؟ أين المؤثرون الذين كانوا يجدون في كل مناسبة فرصة للهجوم على المغرب؟ عندما اشتعلت الجزائر، اختفت معظم تلك الأصوات. لم نسمع بالقدر نفسه سؤالا عن الطائرات والمعدات والجاهزية، بل ظل المغرب حاضرا في الخطاب، وكأن مشاكل الجار يمكن أن تكون دائما وسيلة للهروب من الأسئلة الداخلية. أما مصطفى بونيف، فقد بقي تقريبا وفيا للخطاب نفسه، يكرر قاموسه المعتاد عن “المروك” و”البابون” و”القنفود”، يريد اضحاك الشعب الجزاىري في حين يضحك عليهم ، لأن هذه الكلمات لا تستطيع إطفاء حريق أو تعويض مواطن فقد منزله أو ممتلكاته. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: شعب يواجه النار، وبعض الخطاب السياسي والإعلامي يواجه المغرب. كان المطلوب أن يظهر صوت جزائري شجاع، سياسيا أو إعلاميا، ويقول ببساطة: نحن دولة غنية. لدينا النفط والغاز والثروات. ومن حق شعبنا أن يرى هذه الثروة في الطائرات التي تحميه، والمعدات التي تنقذه، والمستشفيات التي تعالجه، والمدارس والبنية التحتية التي تحسن حياته. هذه ليست خيانة ولا عداء للوطن، بل هي أبسط أشكال المسؤولية. فالجزائر لا تحتاج إلى مزيد من الأرقام الخنفشارية، ولا إلى العنتريات، ولا إلى تحويل كل أزمة إلى مناسبة للهجوم على المغرب. تحتاج إلى سياسة تجعل المواطن أولا. لقد جاءت الحرائق لتكشف أن الثروة وحدها لا تصنع دولة قوية، وأن القوة التي لا تظهر عندما يحتاج المواطن إلى حماية ليست سوى رقم آخر في خطاب طويل. ويبقى السؤال: إلى متى ستستمر هذه السياسة في حق شعب يملك الثروة، بينما لا يرى منها ما يكفي لحمايته عندما تشتعل النيران؟ هذه النسخة أقصر، لكنني أبقيت فيها جوهر أفكارك كلها، وحذفت التكرار بين موضوع الثروات والأرقام والإعلام والحرائق.