ادريس طيطي – مجرد راي –
وأنا أشاهد بالأمس نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وإسبانيا، لم أكن أتابع مباراة فقط، بل كنت أسترجع في ذهني كل محطات البطولة. مباراة جعلتني أعيد التفكير في كثير من الأحكام التي صدرت طوال المنافسة، سواء من الإعلام أو من الجماهير.
أول ما استوقفني هو أن كرة القدم لا تعترف بالأسماء ولا بالألقاب. فالأرجنتين دخلت البطولة وهي بطلة العالم، لكن أداءها في أكثر من مباراة لم يكن مقنعا بالشكل الذي حاول البعض تسويقه. صحيح أنها بلغت النهائي، لكنها لم تكن ذلك المنتخب الذي لا يقهر، وكانت تظهر في كثير من الأحيان صعوبة في فرض أسلوبها، قبل أن تأتي إسبانيا وتكشف ذلك بشكل واضح، وتستحق اللقب عن جدارة.
وخلال البطولة، قدم منتخب الرأس الأخضر درسا في الشجاعة. دخل أول مشاركة له في كأس العالم دون عقدة، وواجه الأرجنتين بندية كبيرة، وكاد يحقق المفاجأة. حينها أدركنا أن أكبر خصم لأي منتخب ليس المنافس، بل الخوف منه.
وفي المقابل، بدا المنتخب الجزائري وكأنه دخل مباراته أمام الأرجنتين وهو يحمل هزيمته معه، بعدما ساهم الإعلام في تضخيم صورة المنافس إلى درجة جعلت الرهبة تسبق صافرة البداية. وعندما يخسر المنتخب ثقته بنفسه، يصبح من الصعب أن يقدم مستواه الحقيقي مهما امتلك من إمكانيات.
أما المنتخب المصري، فقد قدم مباراة قوية أمام الأرجنتين، لكنه انهار في الدقائق الأخيرة. ورغم ذلك، ما زالت بعض الأصوات تحتفل بتلك المباراة وكأنها أصبحت المعيار الحقيقي لقوة المنتخب المصري. وهنا يكمن الخطأ. فلا يمكن بناء الأحكام على مباراة واحدة، ولا الاعتقاد بأن الأرجنتين التي واجهتها مصر هي نفسها الأرجنتين التي ظلت طوال البطولة أو التي لعبت النهائي. فالمنتخبات تمر بفترات قوة وضعف، وحتى بطل العالم قد يخوض مباراة بعيدة عن مستواه.
لهذا، أعتقد أن الإعلام مطالب اليوم بمراجعة طريقة تعاطيه مع كرة القدم. فلا المبالغة في تضخيم المنافسين تخدم المنتخبات، ولا المبالغة في الاحتفال بأداء جيد أو خسارة مشرفة تصنع الإنجازات. ما يصنع الإنجازات هو العمل الهادئ، ودراسة الأخطاء، وبناء مشروع كروي واضح، والاستفادة من كل تجربة دون تهويل أو تهوين.
لقد رأينا خلال هذه البطولة منتخبات كبيرة تفقد توازنها في لحظات معينة، مثل المغرب، والبرازيل، وفرنسا، ومع ذلك لم يشكك أحد في قيمتها، لأن كرة القدم لعبة تفاصيل، ويوم واحد سيئ لا يلغي تاريخ منتخب، كما أن مباراة جيدة لا تجعل من منتخب بطلا للعالم.
الدرس الحقيقي الذي خرجت به من هذه البطولة هو أن الثقة بالنفس أهم من الخوف، وأن الإعلام يجب أن يكون شريكا في بناء العقلية الرياضية، لا في صناعة الأوهام. فلا ينبغي أن نخاف من اسم منتخب، ولا أن نبالغ في تقييم أنفسنا بسبب مباراة واحدة.
إسبانيا لم تفز لأنها واجهت منتخبا ضعيفا، بل لأنها كانت الأفضل تنظيما، والأكثر ثقة، والأقدر على استغلال نقاط ضعف منافسها. وهنا يكمن سر كرة القدم الحديثة.
في النهاية، البطولات لا تحسمها مباراة واحدة، ولا يصنعها عنوان إعلامي أو احتفال عابر. البطولات تصنعها المشاريع، والعمل المتواصل، والقدرة على التعلم من الأخطاء. أما من يكتفي بالاحتفال بلقطة أو مباراة، فقد يكتشف لاحقا أنه احتفل مبكرا، بينما كانت المنتخبات الأخرى تواصل العمل حتى تصل إلى منصة التتويج.
#الأرجنتين
#إسبانيا
#كأس_العالم
#كرة_القدم
#التحليل_الرياضي
#إدريس_طيطي
#مجرد_رأي
