الحصاد 24

أمجد يوسف… وحش النظام البائد الذي أعاد للأذهان أصحاب الأخدود.

alt=
إدريس طيطي -مجرد رأي –
هناك مشاهد لا تغادر الذاكرة مهما مرت السنوات، ليس لأنها مؤلمة فقط، بل لأنها تهز إيمانك بأن الإنسان خلق ليكون إنسانا. مشاهد تقف أمامها عاجزا عن التصديق، فتقول في نفسك: لا… لا يمكن أن يكون هذا حقيقيا، لا بد أنه فيديو مفبرك.
هذا بالضبط ما شعرت به أول مرة شاهدت الفيديو المسرب لمجزرة حي التضامن في دمشق. بقيت أياما أجادل نفسي، وأرفض تصديق ما رأته عيناي. كيف يمكن لرجل يرتدي زيا عسكريا، ويحمل بندقية، أن يقود مدنيين معصوبي الأعين، مكبلي الأيدي، إلى حفرة أعدت مسبقا، ثم يطلق الرصاص عليهم ، شيوخ، شباب .اطفال.نساء..واحدا تلو الآخر، قبل أن تحرق جثثهم داخل الحفرة؟ أي قلب يستطيع أن يفعل ذلك؟ وأي ضمير يبقى بعده؟
لكن الحقيقة كانت أقسى من الخيال. فقد وثقت التحقيقات أن المجزرة وقعت في 16 أبريل 2013، وأصبحت اليوم جزءا من ملفات العدالة التي تسعى إلى محاسبة المسؤولين عنها.
وأنا أتابع جلسات التحقيق، توقفت عند تصريح أثار في داخلي أسئلة أكبر من الجريمة نفسها. قال أمجد يوسف إنه لم يتلق أمرا من أحد. وهنا أسأل: إذا كان هذا صحيحا، فمن يفسر للعالم كيف بقي في موقعه؟ وكيف لم يحاسب؟ وكيف مرت جريمة بهذا الحجم دون مساءلة؟
إذا كان لم يتلق أمرا، فإن عدم معاقبته في حينه يثير سؤالا مشروعا: هل كان ما جرى معروفا ومقبولا داخل المنظومة التي كان يعمل فيها؟ وإن كان قد تلقى أوامر فهو ليس سوى منفذ. وفي كلتا الحالتين، فإن العدالة لا ينبغي أن تتوقف عند المنفذ فقط، بل يجب أن تصل إلى كل من أمر أو تستر أو سمح أو غض الطرف عن هذه الجرائم.
ما صدمني أكثر، أن الرجل كان يتحدث ببرودة أعصاب يصعب على العقل استيعابها. حتى وزير الداخلية السوري، وهو يستجوبه، سأله: “هل لك أولاد؟” وكأن السؤال كان صرخة في وجه الإنسانية: كيف يستطيع أب أن يفعل هذا بآباء وأبناء وأطفال وشيوخ لا حول لهم ولا قوة؟
وأثناء مشاهدة تلك المقاطع، لم يفارق ذهني مشهد أصحاب الأخدود الذي خلده القرآن الكريم قبل أكثر من أربعة عشر قرنا.
قال تعالى:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ۝ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ۝ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ۝ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾
(سورة البروج: 4-7).
لقد أحرق أصحاب الأخدود لأنهم تمسكوا بإيمانهم، أما في مجزرة التضامن فقد سيق الأبرياء إلى حفرة الموت، وأطلق عليهم الرصاص ثم أحرقت جثثهم لإخفاء آثار الجريمة. اختلفت الوسيلة؛ هناك نار مباشرة، وهنا رصاص ثم نار، لكن الوحشية واحدة، والاستخفاف بحياة الإنسان واحد.
 قلت في نفسي: لولا أن القرآن أخبرنا بقصة أصحاب الأخدود، لقال الناس إن مثل هذه المشاهد لا يمكن أن تقع على وجه الأرض. لكن التاريخ يعيد نفسه كلما مات الضمير في قلب الإنسان.
لقد عرفت سوريا من نافذة أخرى. عرفناها من خلال مسلسلاتها التاريخية والدينية التي علمتنا معنى الشرف والوفاء والبطولة. عرفناها في “عمر”، و”خالد بن الوليد”، و”صلاح الدين الأيوبي”، و”الزير سالم”، و”صقر قريش”، و”ربيع قرطبة”، وغيرها من الأعمال التي قدمت صورة المسلم الذي يحمي المستضعف، ويحفظ العهد، ولا يقتل طفلا، ولا امرأة، ولا شيخا، ولا يغدر بمن استسلم.
وعرفنا سوريا أيضا من خلال فنانيها ومثقفيها وأدبائها، ومن خلال شعب أحببناه بكرمه وأخلاقه وثقافته. لذلك كان مؤلما أن نرى وجها  آخر صنعته سنوات الاستبداد والحرب، وجها لا يشبه سوريا التي عرفناها ولا الإسلام الذي تعلمناه ولا الإنسانية التي تجمع البشر.
إن أمجد يوسف لا يمثل سوريا، كما أن أي مجرم لا يمثل شعبه. لكنه يمثل الوجه المظلم الذي تصنعه الأنظمة حين يتحول الإنسان إلى آلة لا تعرف الرحمة، وحين يصبح تنفيذ الجريمة أمرا عاديا.
يبقى السؤال الذي سيؤرق كل إنسان: هل وصل بنا الحال، نحن بني آدم، إلى أن ندفع الأبرياء إلى حفرة، ونقتلهم، ثم نحرق أجسادهم، ونواصل حياتنا وكأن شيئا لم يكن؟
إنها ليست جريمة ضد السوريين وحدهم، بل جريمة في حق الإنسان أينما كان، وفي حق الضمير، وفي حق التاريخ.
وأرجو أن تكون هذه المحاكمات بداية طريق العدالة، لا نهايته، لأن الحقيقة لا تكتمل بمحاكمة من ضغط على الزناد فقط، بل بمحاسبة كل من خطط، وأمر، وسكت، وتستر، حتى لا تتكرر الأخاديد مرة أخرى، بأسماء جديدة، وفي أوطان جديدة.
#أمجد_يوسف
#مجزرة_التضامن
#سوريا
#الثورة_السورية
#أصحاب_الأخدود
#العدالة_للضحايا
#جرائم_الحرب
Exit mobile version