الحصاد 24

“راني خدام على الواليدة”… صرخة هزت المغاربة ودعتنا لمراجعة ما تبقى من قيمنا

alt=
ادريس طيطي –  مجرد رأي  –
أعلم أنني لست الوحيد ممن أوجعه خاطره أمام ذلك المشهد الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي. مشهد لم يكن تمثيلا دراميا أعدّ بعناية أمام الكاميرات، بل كان دراما حقيقية من قلب واقعنا، بكل ما تحمله من ألم ومرارة وصدمة.
شاب يركض خلف من سرقه، لا يصرخ طلبا للانتقام، ولا يهدد، ولا يتوعد، بل يتوسل بكلمات تهز الوجدان: “الله يحفظك… راني خدام على الواليدة”. جملة قصيرة، لكنها أثقل من الجبال في وجدان كل من يعرف معنى الأم، وكل من ذاق مرارة المسؤولية، وكل من استيقظ صباحا وهو يحمل هم أسرة أو دواء أو مصروف بيت.
لا نعرف تفاصيل حياة ذلك الشاب. لا نعلم إن كانت والدته مريضة تنتظر ثمن الدواء. لا نعلم إن كانت أرملة تحملت قسوة الحياة، فصار ابنها سندها الوحيد،أو زوجا فارا من المسؤولية  وكان أكبر إخوته وقد حمل على كتفيه عبئا يفوق عمره. لكننا نعلم شيئا واحدا: أن صرخته كانت صادقة، وأنها خرجت من قلب موجوع.
في مجتمعنا المغربي، حين يذكر الإنسان أمه، أو يقول لك: “الله يخلي ليك الواليدة”، فإن شيئا ما يتحرك في الداخل. الأم ليست مجرد كلمة عابرة. إنها ذاكرة وتضحية وحنان وخوف ودعاء وسهر. إنها الحجر الثقيل الذي يستحيل على أصحاب القلوب السليمة تجاوزه دون أن يترك أثرا.
لكن المؤلم في هذا المشهد أن الطرف الآخر لم تهزه تلك الكلمات. لم يرتجف ضميره. لم يستيقظ فيه إحساس. لم يتوقف لحظة ليفكر في معنى أن يركض شاب خلفه متوسلا باسم أمه. بل عاد نحوه شاهرا سلاحه، وكأن الرحمة نزعت من قلبه نزعا.
هنا لا نتحدث فقط عن جريمة سرقة. نحن أمام أزمة قيم. أمام لحظة تجعلنا نتساءل: كيف يمكن لإنسان أن يسمع ذلك النداء ثم يختار مزيدا من العنف؟ كيف يمكن أن تتحول بعض النفوس إلى هذا القدر من القسوة؟
ولأننا مجتمع ما زال بخير، فقد كان التفاعل الشعبي مع الفيديو قويا ومؤثرا. لم يتعاطف الناس مع المال المسروق، بل مع تلك الصرخة التي اخترقت القلوب. صرخة ابن يخاف على أمه أكثر مما يخاف على نفسه.
نثق في العدالة، ونثق في قدرة المؤسسات الأمنية على الوصول إلى كل من يعتدي على أمن المواطنين. لكن العقاب وحده لا يكفي. فكل حادثة من هذا النوع تدعونا إلى مراجعة أنفسنا، وإلى إعادة الاعتبار للتربية على الرحمة والاحترام والتضامن. تدعونا إلى أن نحصن أبناءنا بالقيم قبل أن نحصنهم بالقوانين.
إن الحالات الشاذة، مهما كانت محدودة، لا ينبغي أن تتحول إلى مشاهد عادية نتقبلها مع مرور الوقت. بل يجب أن تكون جرس إنذار يدفعنا إلى مزيد من التماسك والتراحم والتكافل.
أما ذلك الشاب، فقد اختصر بكلماته البسيطة حكاية آلاف الأبناء الذين يحملون هم أمهاتهم كل يوم. وربما لهذا السبب بالذات، لم تكن صرخته صرخته وحده، بل كانت صرخة مجتمع كامل ما زال يؤمن أن “الواليدة” ليست كلمة تقال، بل قيمة عظيمة يجب أن توقظ ما تبقى من إنسانية فينا.

#راني_خدام_على_الواليدة
#بر_الوالدين
#الرحمة_بيننا
#لا_للعنف
#المغرب_يتضامن

Exit mobile version