الحصاد 24

أزمة الثقة وتجديد النخب في المشهد السياسي المغربي قبيل الانتخابات

alt=
الحصاد24
مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة في المغرب، يجد المشهد الحزبي نفسه أمام اختبار مزدوج: استعادة ثقة الشباب من جهة، ومواجهة ظاهرة الترحال السياسي التي تعمّق صورة الانتهازية الحزبية من جهة أخرى. ففي الوقت الذي تحاول فيه الدولة والأحزاب تقديم حوافز قانونية ومالية لتشجيع مشاركة الشباب، تكشف حركة الانتقالات بين القيادات الحزبية عن استمرار منطق البحث عن المقاعد بدل تجديد الخطاب والممارسة.
لقد أظهرت احتجاجات “جيل زد 212” تحول الشباب إلى فاعل سياسي رقمي مستقل، لا يعترف بوساطة الأحزاب التقليدية، بل يوجه مطالبه مباشرة إلى الملك محمد السادس، وهو ما وضع هذه الأحزاب في موقع دفاعي لإثبات جدواها. وردا على ذلك، تم اعتماد تحفيزات غير مسبوقة، من بينها تغطية نسبة كبيرة من تكاليف الحملات الانتخابية للمرشحين الشباب، في محاولة لكسر حاجز المشاركة وإدماج وجوه جديدة في المؤسسات.
غير أن هذا المسعى نحو “التشبيب” يتقاطع مع ظاهرة أخرى تعاكسه تماما، وهي ما يعرف بـ“الميركاتو السياسي”، حيث تنتقل أسماء وازنة بين الأحزاب بحثا عن مواقع أفضل أو فرص انتخابية أوفر. هذه التحركات، التي طالت أحزابا مثل حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، تعكس استمرار هيمنة منطق “الوجوه المجربة” بدل فتح المجال أمام نخب شابة جديدة.
وهنا تتضح المفارقة: بينما تشير الإحصاءات إلى وجود ملايين الشباب المؤهلين للتصويت لأول مرة، مع نسبة عزوف مرتفعة تتجاوز 70%، تستمر الأحزاب في تدوير نفس القيادات أو استقطاب شخصيات جاهزة انتخابيا، مما يعمق فجوة الثقة بين الشباب والمؤسسات. كما أن ارتباط تصدر الانتخابات بتعيين رئيس الحكومة، وفق الدستور، يجعل هاجس الفوز بالمقاعد يتغلب على أي اعتبارات تتعلق بإعادة بناء الثقة أو تطوير الخطاب السياسي.
في المقابل، تحاول بعض الأحزاب، مثل حزب التجمع الوطني للأحرار، تقديم نفسها كنموذج لإدماج الشباب وتوسيع القاعدة التمثيلية، خاصة بعد إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب، في خطوة قُدمت باعتبارها مؤشرا على التداول الداخلي.
في المحصلة، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تقديم دعم مالي للشباب أو تعديل القوانين الانتخابية، بل في إعادة الاعتبار للانتماء الحزبي كمسار تراكمي للتنشئة السياسية، بدل تحوله إلى وسيلة لتحقيق مكاسب ظرفية. فبدون تجديد فعلي للنخب، وربط الخطاب بالممارسة، سيظل العزوف الشبابي قائما، وستبقى محاولات الاستقطاب مجرد إجراءات تقنية لا تمس جوهر الأزمة.
Exit mobile version