الحصاد 24

أتدري يا عزيز غالي أن لنا اليوم عيدين؟ فأفكارك السوداوية لا تخدم إلا أعداء الوطن!

alt=
بقلم: إدريس طيطي (مجرد رأي)
لا شك أن المغاربة يتابعون الضجة الإعلامية غير المسبوقة التي يقودها الإعلام الجزائري الرسمي، وتواكبها مئات الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، في مشهد تتداخل فيه محاولات التضليل والتشويش والتبخيس من قيمة ما حققه المغرب من تحول مهم في مسار قضية الصحراء المغربية، عقب التطورات الأخيرة التي حملت معها مستجدات سياسية ودبلوماسية بارزة في هذا الملف. ومع ذلك، لا يبدو هذا السلوك مستغربا؛ فبعد أكثر من خمسة عقود من العداء والتوتر بين البلدين، لم يعد المغاربة يتفاجؤون بخطاب يصدر عن جار اختار أن يجعل من معاكسة المصالح المغربية نهجا ثابتا. لكن ما يثير الاستغراب حقا ليس ضجيج الخصوم، بل أن تصدر بعض القراءات السوداوية عن أصوات مغربية، في لحظة كان ينتظر فيها أن تتسع مساحة الاعتزاز بالمكسب الوطني والفرح بما تحقق.
كما قلت ، هذه الحملات لا تقلقني كثيرا، فقد اعتدنا منذ سنوات طويلة على أساليب النظام الجزائري وأذرعه الإعلامية في التعامل مع قضية الصحراء، وعلى محاولات إفراغ كل تطور إيجابي لصالح المغرب من معناه، أو تقديمه للرأي العام الجزائري وكأنه تراجع مغربي.
لكن ما يستوقفني حقا، وما يثير لدي الكثير من علامات الاستفهام، هو أن تأتي بعض القراءات المشككة من أصوات مغربية، ومن أشخاص يفترض أنهم يدركون حساسية المرحلة ودقة اللحظة السياسية التي تمر منها البلاد.
لقد تابعت النقاش الإعلامي الذي شارك فيه الفاعل الحقوقي عزيز غالي، إلى جانب متدخلين آخرين، حول الفيتو الروسي ومشروع القرار الأمريكي ومستقبل بعثة المينورسو، وما أثار انتباهي ليس مجرد طرح الأسئلة أو الاختلاف في تقدير المواقف الدولية، فهذا حق مشروع، بل الطريقة التي جرى بها تقديم مجموعة من السيناريوهات والمخاوف، وكأن المطلوب من المغاربة ألا يفرحوا، وألا يطمئنوا، وألا يثقوا في أي تطور يمكن أن يخدم قضيتهم الوطنية.
ولكي أكون واضحا، ليس لدي اعتراض على مناقشة مستقبل الحكم الذاتي، أو التساؤل عن الضمانات الديمقراطية، أو البحث في طبيعة المفاوضات المقبلة، أو حتى مناقشة دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الإفريقي. هذه قضايا تستحق النقاش بالفعل، لكن السؤال هو: هل يمكن أن نناقش كل ذلك دون أن نحول لحظة وطنية إيجابية إلى منصة لبث القلق والتشاؤم؟
في مداخلة عزيز غالي، استوقفني التركيز المتكرر على احتمالات عودة التوتر العسكري، وعلى مخاطر الطائرات المسيرة، وعلى إمكانية انتقال الصراع إلى أشكال أخرى، وعلى صعوبة التفاوض، وعلى مستقبل الحكم الذاتي، وعلى غياب الضمانات، فضلا عن التشكيك في قدرة المغرب على تحمل التكلفة السياسية لحكم ذاتي حقيقي.
ثم انتقل النقاش إلى الحديث عن الديمقراطية الداخلية، وعن ضرورة سماع أصوات الصحراويين، وعن مخاوف من أن يؤدي غياب الحل إلى التطرف والراديكالية، وعن احتمالات المفاوضات خارج الأمم المتحدة، وعن إشكالات العلاقة مع إسبانيا والجزائر.
كل هذه الملفات قابلة للنقاش، لكن تجميعها في هذه اللحظة، وبهذه النبرة، يطرح سؤالا مشروعا حول الرسالة التي يراد إيصالها إلى الرأي العام المغربي.
هل المطلوب أن يظل المغاربة في حالة ترقب وقلق دائمين؟ وهل أصبح من الضروري أن نضع أمام كل مكسب وطني عشرات السيناريوهات السوداوية قبل أن نسمح للمغاربة بالاحتفال بما تحقق؟
ما لم أفهمه أيضا هو ذلك الإصرار على تقديم المشهد وكأن المغرب وجد نفسه أمام مأزق جديد، في الوقت الذي اختارت فيه الدولة المغربية التواصل مع شعبها مباشرة، من خلال بلاغ للديوان الملكي أعقب تطورات مجلس الأمن، حمل رسائل واضحة بشأن مخرجات المرحلة، وقدم للمغاربة قراءة رسمية مطمئنة لما جرى.
وهنا تكمن نقطة الاختلاف الأساسية.
فجلالة الملك محمد السادس لم يترك شعبه غارق في التأويلات، ولم يترك المجال للفراغ الذي يمكن أن تستغله حملات التضليل، بل اختار أن يخاطبه  وأن يوضح دلالات المرحلة، وأن يقدم التطورات في سياق ما اعتبره المغرب مكسبا لقضيته الوطنية.
وإذا كان المغاربة قد استقبلوا هذه الرسائل بارتياح وفرحة، فمن حقهم أن يعبروا عن ذلك، ومن حقهم أن يعيشوا لحظة اعتزاز وطني، دون أن يجدوا أنفسهم مضطرين في كل مرة إلى الدفاع عن حقهم في الفرح أمام قراءات تختار التركيز على المخاطر والاحتمالات السلبية.
لقد جاء عيد الوحدة حاملا دلالات وطنية عميقة، وإذا بالتطورات الأخيرة تمنح المغاربة مناسبة أخرى للفرح، حتى أصبحنا، في وجداننا الوطني، أمام عيدين: عيد الوحدة وعيد المسيرة الخضراء، وقد ازدادت رمزية المناسبة بما حملته المرحلة من تطورات في ملف الصحراء المغربية.
ومن هنا أقول إن الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة الاختلاف مع الوطن، لكن هناك فرقا كبيرا بين ممارسة النقد المسؤول وبين تقديم خطاب لا يرى في اللحظة الوطنية إلا مصادر القلق والتشكيك.
إن حرية التعبير لا تعني أن يصبح من حق أي كان أن يتجاهل الأثر الذي تتركه كلماته في الرأي العام، كما أن الديمقراطية ليست مجرد القدرة على انتقاد الدولة أو التشكيك في اختياراتها، بل هي أيضا مسؤولية في تقدير اللحظات الوطنية، والتمييز بين النقد الذي يبني والنقاش الذي قد يتحول، بقصد أو بغير قصد، إلى مادة تستثمرها الأطراف المعادية للمغرب.
ولا أقول إن على المغاربة أن يتفقوا جميعا مع الرواية الرسمية، أو أن يتوقفوا عن طرح الأسئلة، ولكنني أقول إن هناك فرقا بين أن تناقش وطنك من موقع الحرص على تطوير اختياراته، وبين أن تقدم للرأي العام صورة توحي بأن كل ما تحقق قابل للانهيار، وأن كل خطوة إيجابية تخفي وراءها كارثة محتملة.
أما الحديث عن الديمقراطية والضمانات وحقوق الإنسان، فنحن لا نختلف حول أهميتها، بل نعتبرها من شروط قوة المغرب واستقراره. لكن الديمقراطية لا ينبغي أن تتحول إلى شعار انتقائي، ولا إلى غطاء لتبخيس كل ما يفرح المغاربة، ولا إلى وسيلة لإرباك الجبهة الداخلية في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى الثقة والوعي واليقظة.
وبالنسبة إلي، فإن الكرة اليوم في ملعب المغرب، والدولة المغربية هي التي ستحدد خياراتها وخطواتها المقبلة وفق مصالحها الوطنية وتقديرها للتطورات الدولية. أما المغاربة، فمن حقهم أن يفرحوا بما تحقق، وأن يثقوا في مؤسسات بلدهم، وأن يظلوا في الوقت نفسه مستعدين لمواكبة المرحلة بوعي ومسؤولية.
وأختم بسؤال أوجهه إلى عزيز غالي ومن يشاركونه هذه القراءة: هل فكرتم في أن المغاربة، بعد سنوات طويلة من الانتظار والمواجهة الدبلوماسية، يحتاجون أيضا إلى لحظة يفرحون فيها بوطنهم، ويشعرون فيها بأن تضحياتهم ومواقفهم لم تذهب سدى؟
ليس مطلوبا منكم أن تصفقوا، وليس مطلوبا أن تتخلوا عن حقكم في التحليل والاختلاف، ولكن ليس من حق أي تحليل أن يصادر فرحة شعب، أو أن يحول كل مكسب إلى مناسبة لإلقاء مزيد من المخاوف على المغاربة.
نحن أمام مرحلة جديدة، ولسنا مطالبين بأن نرى المستقبل بعين الخوف. نناقش، نحلل، نختلف، وننتقد، لكن دون أن ننسى أن الوطن ليس موضوعا للمزايدات، وأن فرحة المغاربة بوطنهم ليست تهمة تحتاج إلى تبرير.
من عيد الوحدة إلى عيد المسيرة الخضراء، أصبح للفرحة المغربية عنوانان، ومن طنجة إلى الكويرة، يبقى الوطن أكبر من كل الحسابات الضيقة.
#عزيز_غالي #الصحراء_المغربية #مغربية_الصحراء #الوحدة_الترابية #المسيرة_الخضراء #عيد_الوحدة #فرحة_المغاربة #المغرب_من_طنجة_إلى_الكويرة #الدبلوماسية_المغربية #ثوابت_الأمة
Exit mobile version