أبواق الفتنة وأوهام التخريف.. حين يمنح ويحمان لصالح التونسي فرصة التدخل في سيادة المغرب.
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي –
هل ستظل الدولة نائمة أمام خطابات تتجاوز النقد السياسي إلى التشكيك في سيادة المغرب واستقراره؟ ألم يحن الوقت لوضع حد للتسيب حين تتحول حرية التعبير إلى غطاء لإطلاق ادعاءات خطيرة والتحريض على التحرك دون تقديم أدلة تثبت وجود الخطر المزعوم؟ فالوطن خط أحمر، والاختلاف في المواقف لا يبرر التطاول على سيادته ومؤسساته.
ما أثار استغرابي في الحوار الذي جمع الصحفي صالح التونسي بالمغربي أحمد ويحمان، ليس مجرد الاختلاف حول التطبيع، بل تصريحات ويحمان عن نقل إسرائيل إلى المغرب وتقسيم المملكة إلى ست كيانات، والجزائر إلى خمس كيانات، ثم إعادة تركيب المنطقة المغاربية لبناء إسرائيل جديدة. أي ضرب من الخيال هذا؟ إنها تصريحات خرافية بعيدة عن الواقع المثبت، تبدو أقرب إلى التخريف والحمق السياسي منها إلى التحليل الرصين. ومن حقنا أن نسائل صاحبها عن أدلته، لا أن نتعامل مع هذه السيناريوهات وكأنها حقائق محسومة. أما الحديث عن المرض النفسي فلا يصح دون تشخيص مختص، لكن ذلك لا يمنع نقد كلام يفتقر إلى الإثبات والمنطق.
قبل أن يتحدث أي كان عن المملكة المغربية الشريفة، عليه أن يستحضر تاريخها وحضارتها وسيادتها الراسخة. نحن أمام بلد عريق يمتد تاريخه لأكثر من اثني عشر قرنا، بلد الملوك والشرفاء، الذي راكم هويته ومؤسساته واستقلال قراره عبر قرون. المغرب ليس كيانا طارئا على الخريطة، ولا أرضا سائبة يمكن نقل كيان أجنبي إليها أو إعادة رسم حدودها بتصريحات إعلامية. إنه بلد متجذر في التاريخ، عصي على محاولات النيل من وحدته، ولا تهزه العواصف ولا تقتلع جذوره الأعاصير. ومن يتحدث عن مستقبله وسيادته مطالب باستحضار هذه الحقائق قبل أن ينسج سيناريوهات لا يسندها دليل.
والأكثر إثارة للاستغراب أن صالح التونسي لم يكتف بمسايرة هذه المزاعم، بل انتقل إلى القول إن المخاوف الجزائرية من المغرب قد تكون مبررة، ثم طرح سؤالا على ويحمان حول ما ينبغي للمغاربة والعرب فعله لإحباط المشروع المزعوم. وهنا يحق لنا أن نسأل صالح: ما شأنك بالمغرب حتى تتحدث بهذه الطريقة عن مستقبله، وتفتح باب التشكيك في سيادته، ثم توجه النقاش نحو ما يجب على شعبه فعله؟ من أنت حتى تتصرف وكأن لك حق إملاء المواقف على المغاربة أو توجيه الرسائل إلى ملكهم؟ إن مواقفك المنتقدة للمغرب تكررت في برامجك، لكنك وجدت هذه المرة في ويحمان ضيفا يمدك بتصريحات مثيرة، ويمنحك فرصة لتغذية خطابك على حساب بلده. فالذكاء شيء والمكر شيء آخر، وشتان بينهما؛ ويبدو أن ويحمان لم ينتبه إلى طبيعة الأسئلة الملغومة التي دفعته إلى توسيع دائرة التخويف والتشكيك.
وفي مقابل هذا الخطاب، طرحت صحفية لبنانية سؤالا أكثر ارتباطا بالواقع: **ماذا استفادت إسرائيل من التطبيع مع المغرب؟ وماذا باع المغرب من مواقفه؟** فقد استحضرت استمرار المواقف المغربية المعلنة الداعمة للفلسطينيين، ورفض الاستيطان والتهجير، والتأكيد على قيام الدولة الفلسطينية. فإذا كان المغرب قد باع مواقفه، فأين الثمن؟ وما التنازل الملموس الذي قدمه؟ وإذا كانت إسرائيل دولة متقدمة تكنولوجيا وعسكريا ولها علاقات تعاون مع دول عديدة، فليس مجرد التطبيع دليلا على تسليمها أرض المغرب أو قراره. ولو كان كل تطبيع يعني الاحتلال والتقسيم، لكانت إسرائيل قد سيطرت على نصف الكرة الأرضية! انتقاد التطبيع حق مشروع، لكن القفز منه إلى الادعاء بأن المغرب سيصبح بديلا لفلسطين يحتاج إلى أدلة مستقلة، لا إلى سيناريوهات مرعبة.
إن أخطر ما في الحوار لم يكن فقط الترويج لهذه الادعاءات، بل الانتقال إلى دعوة الشعب والقوى المختلفة، بل وحتى من داخل الدولة، إلى التحرك قبل فوات الأوان، وكأن تفكيك المغرب خطر وشيك ثبت وقوعه. هنا نكون أمام خطاب تحريضي يستوجب المساءلة عن أدلته ونتائجه، لا أمام مجرد اختلاف في الرأي. أما مسؤولية الصحفي، فهي التحقق ومساءلة الضيف، لا تحويل المنبر إلى منصة لتضخيم المخاوف. ومن حق الدولة أن تتدخل إذا ثبتت مخالفات للقانون، دون المساس بحرية التعبير المشروعة.
وطني قضيتي الأولى، والمغرب أكبر من الأشخاص والمزايدات. لا نقبل أن تتحول فلسطين إلى ذريعة للتشكيك في وطننا، ولا أن يمنح مغربي محاوره فرصة للتطاول على بلده عبر تصريحات لا تستند إلى أدلة كافية. من أراد انتقاد التطبيع فليقدم حججه، ومن يدعي وجود مخطط لتقسيم المملكة فليعرض براهينه. أما أن يتحول الحديث إلى تخويف الشعب وتوجيهه بناء على سيناريوهات غير مثبتة، فذلك ليس نقاشا مسؤولا، بل تسيب يستوجب وضع حد له في إطار القانون.
المغرب بلد التاريخ والحضارة والشرفاء، وسيادته ليست موضوعا للمزايدة. الوطن خط أحمر، وحرية التعبير لا تعني الترخيص بالتخريف أو التطاول على مؤسساته.