الحصاد 24

وأنا أشاهد ما أشاهد… لماذا؟

alt=
إدريس طيطي -مجرد رأي –
بينما كنت أتابع الكلاسيكو الإسباني بين فريق ريال مدريد وفريق بارسلونة، لم أكن أشاهد مجرد مباراة كرة قدم، بل كنت أشاهد صورة أخرى للحياة. كنت أشاهد الجمال في المدرجات، واللوحات التي ترسمها الجماهير، والعائلات التي تضحك وتغني، والأطفال الذين يرتدون قمصان فرقهم وهم يشعرون بالأمان. كنت أشاهد جمهورا يحزن للهزيمة، نعم، لكنه يصفق في النهاية لأن كرة القدم تبقى متعة قبل كل شيء.
وأنا أشاهد ما أشاهد، تملكتني الحسرة وأنا ممتلئ بأسئلة تكاد أن تخنقني… وأولها: لماذا؟
لماذا لا نرى هذه الصورة كاملة في ملاعبنا المغربية رغم أننا نملك ملاعب جميلة وحديثة، صرفت عليها أموال طائلة لتكون فضاءات للفرجة والمتعة والحياة؟ لماذا تحولت بعض المباريات عندنا إلى ساحات خوف وتوتر بدل أن تكون مناسبات للفرح والترويح عن النفس؟
أنا لا أعمم، فهناك جماهير مغربية راقية ومحترمة، وجماهير صنعت لوحات جميلة وأبهرت العالم، خاصة خلال كأس إفريقيا، وأثبتت أن المغرب قادر على تقديم صورة حضارية مشرقة. لكن، مع الأسف، ما شاهدناه في الأيام الأخيرة من مواجهات دامية بين بعض الجماهير، ومن عنف وضرب وتخريب، كشف أننا أمام أزمة حقيقية لا علاقة لها بكرة القدم.
كيف يمكن لإنسان أن يحقد على أخيه فقط لأنه يشجع فريقا آخر؟ كيف يمكن لمباراة يفترض أنها تسعين دقيقة من المتعة أن تنتهي بإصابات خطيرة، أو بعاهات مستديمة، أو ربما بالموت؟ أي منطق هذا الذي يجعل شابا يخرج من بيته ليشجع فريقه ثم يعود محمولا بالخوف أو الألم أو لا يعود أصلا؟
لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها التنقل بين المدن ممنوعا أحيانا خوفا من الفوضى. جمهور يمنع من مرافقة فريقه، ليس لسبب رياضي، بل خوفا من الصدامات. وهنا يحق لنا أن نتساءل بمرارة: ماذا وقع لنا؟ وكيف وصلنا إلى هذا المستوى؟
كرة القدم ليست حربا، وليست معركة لإثبات الكراهية، بل مساحة للانتماء والمتعة والفرح. الملاعب خلقت لتجمع الناس، لا لتفرقهم. خلقت لتكون متنفسا للعائلات في عطلة نهاية الأسبوع، حيث يأتي الأب بابنه، والأم بابنتها، وهم يشعرون بالأمان وسط الأهازيج النظيفة واللوحات الجميلة والتشجيع الراقي.
ما أجمل أن ترى جمهورا يساند فريقه بكل قوة، ثم يصفق للمنافس عندما يستحق. ما أجمل أن تنتهي المباراة ويبقى الاحترام قائما بين الجميع. فالهزيمة لا تنقص من قيمة أحد، والفوز لا يعطي الحق في إهانة الآخرين.
نحن أبناء وطن واحد، يجمعنا نفس العلم ونفس الأرض ونفس الحلم. فلماذا نحول الاختلاف الرياضي إلى عداوة؟ ولماذا نسمح لبعض السلوكيات العدائية أن تسرق منا متعة كرة القدم؟
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط قوانين صارمة، بل أيضا تربية رياضية حقيقية تبدأ من الأسرة، ومن المدرسة، ومن الإعلام، ومن الأندية نفسها. نحتاج إلى نشر ثقافة التشجيع النظيف، واحترام المنافس، وإعادة الاعتبار لقيمة الرياضة كأخلاق قبل أن تكون نتائج وألقاب.
دعونا نراجع أنفسنا قبل أن نخسر أكثر. دعونا نحافظ على ملاعبنا الجميلة، وعلى صورة جماهيرنا الراقية، وعلى حق العائلات في الاستمتاع بمباريات كرة القدم دون خوف أو قلق..

#كرة_القدم_متعة
#لا_للعنف
#جماهير_راقية

Exit mobile version