الحصاد 24

لهفتنا…. حين يتحوّل اللحم إلى فوضى وغش وجريمة

alt=

إدريس طيطي /القنيطرة

في واقعة صادمة، شهد حي المسيرة بمدينة الدار البيضاء، صباح الجمعة، حادثًا خطيرًا تمثل في ذبح عدد من الحمير بغرض طحن لحومها وبيعها للمواطنين على شكل “كفتة”. وقد تم إيقاف المتورطين من طرف السلطات المحلية، في مشهد يلخص انهيارًا أخلاقيًا وسلوكيًا خطيرًا، ويكشف إلى أي مدى يمكن أن تنقلب نوايا الخير إلى سلوكيات فوضوية، حين يغيب الوعي وتحضر اللهفة.

ما يجعل الحادثة أكثر إيلامًا أنها جاءت عقب القرار الملكي السامي القاضي بعدم ذبح الأضحية لهذا العام، في خطوة إنسانية حكيمة هدفها التخفيف من معاناة الأسر الفقيرة وذوي الدخل المحدود، بعدما شهدت أسعار اللحوم ارتفاعًا غير مسبوق. قرار استثنائي يحمل بين طياته بُعدًا تضامنيًا واضحًا، ويعكس رعاية ملكية تُقدّر الوضعية الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها شريحة واسعة من المواطنين.

لكن، بدل أن يُقابَل القرار بالحكمة والامتثال، اندلعت موجة لهفة غير مفهومة في الأسواق والمجازر. أقبل الناس على شراء اللحم بشراهة، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وبدأ التزاحم على “الدوارة” و”نص الكبش”، وكأن اللحوم ستغيب عن الوجود. البعض دفع ثمن كيلوغرامات من اللحم ما يُعادل خروفًا كاملاً، دون أن يُفكر في مغزى القرار ولا في تبعات سلوكه الاستهلاكي.

الأدهى من ذلك أن البعض عمد إلى اقتناء أكباش قبل العيد، وإخفائها داخل المنازل بعيدًا عن الأعين، في تجاوز صريح للقرار الملكي. وآخرون ذبحوا في السر قبل العيد، في سلوك لا يستند لأي مبرر منطقي أو ديني أو أخلاقي، ويعكس انعدام الوعي بقيمة الامتثال والتضامن، التي كانت جوهر المبادرة الملكية.

وسط هذه الفوضى، ظهرت أطراف إجرامية لا يهمها إلا الربح السريع، فاستغلت رغبة الناس في الحصول على اللحم بأي ثمن، وشرعت في ذبح الحمير والبغال، وبيع لحومها في الأسواق على أنها لحوم حمراء صالحة للاستهلاك، عبر خلطها بالكفتة وترويجها دون أدنى إحساس بالمسؤولية أو خطر ما تفعل.

إن ما حدث ليس مجرد جريمة غش غذائي، بل هو نتيجة انحراف سلوكي جماعي، ساهمت فيه لهفة الناس، وطمع الجزارين، وانعدام الرقابة الصارمة. إنه مشهد يُحتم علينا كمجتمع أن نعيد النظر في أولوياتنا، وأن نتوقف قليلًا لنسائل ذواتنا: هل أصبحنا نُطعم أنفسنا على حساب عقولنا؟ وهل تحولت المناسبة الدينية إلى مجرد سباق نحو الشراء دون بصيرة أو وعي؟

قرار إلغاء الأضحية لم يكن تحجيمًا لفرحة العيد، بل دعوة للتفكير في الفقير، وتنظيم الاستهلاك، وتوزيع الرحمة. لكنّ غياب الانضباط أفسد هذا المعنى النبيل، وفتح الباب للمتربصين بجشعهم وجرمهم، ليبيعونا وهم اللحم… حتى وإن كان من الحمير.

اليوم، نحن بحاجة إلى مراجعة جماعية، قبل أن تتحول المناسبات الدينية إلى مواسم فوضى، وقبل أن تفقد القرارات الحكيمة معناها بسبب سلوكيات فردية لا تعبّر إلا عن أنانية وضيق أفق. فهل نتعلم الدرس؟ أم ننتظر كارثة جديدة تفتح أعيننا من جديد؟

Exit mobile version