الحصاد 24

عيد الأضحى بطعم المرارة… بين معاناة الفقراء واستفزازات “البوز

alt=
إدريس طيطي – مجرد رأي –
غريب ما أصبحنا نتابعه هذه الأيام من سلوكيات واستفزازات عبر فيديوهات وروبورتاجات وصفحات تبحث عن أي مشهد صادم داخل الأسواق، وكأننا لم تعد تنقصنا سوى المزيد من الضجيج والسخرية والتفاهة.
لسنا في حاجة إلى ميكروفونات تركض خلف “شناق” غاضب، أو “كساب” مستفز، أو مواطن مسحوق يعيش حالة ارتباك وعجز، ثم تقدم كلماته المبعثرة على أنها حقيقة المجتمع المغربي. ولسنا في حاجة إلى صفحات تصطاد لحظات الانفعال واليأس والغضب لتصنع منها “ترند” ومشاهدات ويوز، بقدر ما نحن في أمس الحاجة إلى صحافة حقيقية تنقل معاناة الناس بوعي ومسؤولية، وتبحث عن أسباب الاختلال بدل تحويل الألم إلى فرجة.
كان الأولى أن تركز الكاميرات على الأسر التي عجزت عن اقتناء أضحية العيد، وعلى آباء عادوا إلى بيوتهم منكسرين لأنهم لم يستطيعوا إسعاد أطفالهم، وعلى أمهات أخفين دموع القهر حتى لا يشعر الأبناء بالعجز. كان الأولى أن ينقل أصحاب المكروفونات مواقف مواطنين قرروا عدم الأضحية هذه السنة تضامنا مع الفقراء، وآخرين اختاروا ذلك احتجاجا على الغلاء. هذه هي القصص التي تستحق أن تروى، لأنها تنقل نبض المجتمع الحقيقي، لا الضجيج المصطنع.
الصحفي أو المراسل الحقيقي  ليس في بحث عن التفاهة، بل في كشف  للاختلالات، وتنوير للرأي العام، وطرح للأسئلة التي تؤلم المسؤول قبل المواطن.  يرصدان معاناة الناس،  وتناقض التصريحات الرسمية، كما وقع في قضية أعداد رؤوس الأضاحي، حين قيل إن الوضع مطمئن وإن القطيع كاف، بينما الواقع داخل الأسواق كان يقول شيئا آخر تماما.
لكن ما وقع هذه الأيام تجاوز فقط أزمة الغلاء، وتحول أحيانا إلى حالة من الانفلات اللفظي الخطير.
سمعنا كلاما صادما لا يضحك بقدر ما يبكينا ويجعلنا نشعر وكأن لعنة أصابتا . سمعنا أحدهم يتحدث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام بطريقة مستفزة قائلا: “هداك إبراهيم… كون دبح هداك عيسى…”. عبارة لا يمكن ان تنشر ولو بكنوز الدنيا ، وكأن الأنبياء والرسل أصبحوا مادة للسخرية داخل فيديوهات تبحث فقط عن التفاعل والضحك.
أي سقوط هذا الذي يجعل أسماء الأنبياء تذكر بهذه الطريقة السوقية؟
وأي استخفاف هذا بمقام الرسل الذين أمرنا الله بتوقيرهم واحترامهم؟
بل إن أحدهم اختلط عليه الأمر بين سيدنا إبراهيم وسيدنا جبريل عليهما السلام، وهو لا يدرك حتى مقام كل واحد منهما، ولا الفرق بين نبي ورسول وملك كريم. ومع ذلك، وجد من يضع أمامه الميكروفون، ومن يصور، ومن ينشر، ومن يضحك، ومن يعيد التدوير فقط لأن “البوز” أصبح عند البعض أهم من الوعي والمسؤولية.
كان الواجب على من صور مثل هذه المقاطع ألا ينشرها أصلا، لأن حرية التصوير لا تعني نشر كل شيء، ولأن هناك كلاما يجب أن يوقف عند حده، لا أن يقدم للناس على أنه مادة فكاهية.
ما يحدث اليوم يكشف كيف تحولت بعض الصفحات إلى مصائد حقيقية. تقترب من البسطاء، ومن الفقراء، ومن الغاضبين، ومن أشخاص قد يكونون تحت الضغط أو القهر أو الارتباك، ثم تلتقط أي جملة منفلتة لتصنع منها محتوى قابلا للانتشار.
هناك مواطن بسيط يعيش ضغط الغلاء، محرج أمام أبنائه، مشتت الذهن وهو يفكر كيف سيدبر ثمن الأضحية، فيخرج منه كلام غير موزون بسبب الغضب أو الحيرة، ثم يجد نفسه فجأة مادة للسخرية والتداول الواسع.
وهناك “شناق” يتخيل نفسه منتصرا في معركة، فيبالغ في الكلام والسخرية والاستفزاز، لأنه يشعر للحظة أنه بطل أمام الكاميرا، وأن الضحك حوله نوع من الانتصار، بينما الحقيقة أن الجميع خاسر في هذا المشهد العبثي.
ثم يدخل على الخط أشخاص لا علاقة لهم لا بسوق ولا بأضحية ولا بكساب ولا بمواطن بسيط، فقط يبحثون عن فرصة لإطلاق النكات وإضحاك الناس وزيادة نسب المشاهدة.
اختلط كل شيء…
واختلطت المواقف، وتحولت بعض الأسواق إلى فضاء للفوضى اللفظية، بدل أن تبقى فضاء عاديا للبيع والشراء كما كان يحدث دائما بين المغاربة دون كل هذا الاحتقان.
ومع كل هذا، يجب ألا نعمم، لأن هذه السلوكيات تبقى حالات معزولة لا تمثل المغاربة، ولا تمثل قيم المجتمع المغربي المعروف بالتراحم والتكافل والاحترام.
لذلك، بدل مطاردة التفاهة وصناعة الإثارة، على الصحافة الحقيقية أن تعود إلى دورها الأساسي: نقل هموم الناس بوعي، وفضح الاختلالات بمسؤولية، واحترام كرامة المواطن مهما كانت حالته الاجتماعية أو النفسية.
أما تحويل الأسواق إلى سيرك رقمي، وتحويل البسطاء إلى مادة للضحك، ونشر كل لفظ مستفز أو مسيء فقط من أجل “اليوز”، فلن يصنع وعيا، بل سيصنع مزيدا من الانحدار والاحتقان والتفاهة.
والمؤسف أن مسلسل التفاهة ما يزال مستمرا… وما تزال بعض “ الصفحات” تبحث كل يوم عن جملة صادمة جديدة، أو شناق جديد، أو فقير جديد، فقط من أجل المزيد من المشاهدات..

#العيد_بين_الغلاء_والتفاهة
#لا_للبوز_الرخيص
#كرامة_المواطن
#عيد_الأضحى

 

 

Exit mobile version