ادريس طيطي ليس كل اختلاف في اعلان بداية رمضان دليلا على صراع ديني، فالتجارب في العالمين العربي والاسلامي تظهر ان السياسة والهوية والتنافس على المرجعية كثيرا ما تتدخل في مثل هذه القرارات، واحيانا تكون هي العامل الابرز خلفها بينما يبقى الدين في الواجهة فقط. فالجدل الذي ظهر في فرنسا هذه السنة بعد اعلان مسجد باريس الكبير ان الاربعاء هو اول ايام رمضان مقابل اعلان المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية ان الخميس هو بداية الشهر لا يمكن قراءته فقط باعتباره اختلافا فقهيا. فالمعروف ان مسجد باريس الكبير يرتبط تاريخيا بالمؤسسة الدينية في الجزائر ويحظى بدعمها الرمزي، في حين ان المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية يضم اتحادات ومساجد متعددة الخلفيات بينها هيئات قريبة من المرجعية الدينية المغربية. لذلك فان هذا الاختلاف يفهم ايضا في سياق تعدد المرجعيات داخل الاسلام الاوروبي وليس فقط في اطار الرؤية الشرعية للهلال. وهذه الظاهرة ليست جديدة. ففي ليبيا خلال حكم معمر القذافي كانت البلاد تعلن الصيام احيانا قبل معظم الدول الاسلامية غالبا في يومين وهو ما اثار جدلا واسعا في المغرب العربي آنذاك. وقد رأى كثيرون ان الامر لم يكن مجرد اجتهاد فقهي بل تعبير عن قرار سيادي وسياسي يبرز استقلال الدولة الليبية عن بقية العواصم في زمن كان النظام يحرص فيه على اظهار تميزه حتى في القضايا الدينية. وفي العراق ايضا خصوصا بعد سقوط نظام صدام حسين ظهرت اختلافات في اعلان الصيام او العيد بين بعض المرجعيات السنية والشيعية في بعض السنوات. قبل ذلك كان الاعلان يميل الى التوحيد بقرار الدولة لكن بعد 2003 اصبح تعدد المرجعيات الدينية يعكس بدوره التوازنات السياسية والمذهبية داخل البلاد فصار الاختلاف في الشعائر احيانا امتدادا للاختلاف في الواقع السياسي. من هنا فان قراءة ما يحدث اليوم في فرنسا ينبغي ان تكون هادئة ومتوازنة لان الخلاف حول بداية رمضان قد يكون فقهيا في ظاهره لكنه في كثير من الحالات يرتبط ايضا بالتنافس على المرجعية الدينية او بتأثير الدول الاصلية او بحسابات تنظيمية داخل الجاليات المسلمة. لذلك لا يمكن الجزم بانه صراع ديني كما لا ينبغي تهويله بل فهمه ضمن سياق اوسع يتكرر في اكثر من بلد منذ عقود حيث يبقى الدين حاضرا في الشكل بينما تتحرك السياسة في الخلفية.