عندما سُئل نبيل بنعبد الله: ماذا ستفعل لو أصبحت وزيرا للتعليم؟ هل كان مجرد كلام انتخابي أم بداية اختبار حقيقي.
. بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي –
دعونا نبدأ بسؤال صحفي، طرحته قناة Media24 على نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، خلال الحملة الانتخابية: لو أصبحت وزيرا للتربية الوطنية، ماذا ستفعل؟ لم يكن السؤال حينها سوى افتراض يتيح للسياسي عرض تصوره لإصلاح قطاع التعليم، لكن ما كان افتراضيا أصبح اليوم واقعا، بعدما عُيّن نبيل بنعبد الله وزيرا للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، يوم 16 أكتوبر 2026. واليوم، أصبح من حق الرأي العام أن يعود إلى جوابه، لا باعتباره وعدا صريحا قطعه بالضرورة، بل باعتباره تصورا معلنا لرجل أصبح مسؤولا عن القطاع الذي انتقد اختلالاته وطريقة تدبير الحكومة السابقة له. في تصريحه، دعا بنعبد الله إلى تعميم التعليم الأولي باعتباره أساس بناء المستقبل، مع تحسين أوضاع العاملين فيه، خصوصا الذين يشتغلون داخل الجمعيات بالمناطق القروية والجبلية والهامشية. وتساءل عن الفارق بين أجور هؤلاء، التي أشار إلى أنها تبلغ نحو 3000 درهم، وأجور العاملين في التعليم الابتدائي، التي تحدث عن وصولها إلى 7000 درهم، رغم أهمية دور الفئتين في المسار التعليمي للطفل. ويضع هذا الموقف الوزير أمام ملف اجتماعي وتربوي مهم: هل سيتجه إلى تحسين الوضعية المهنية والاجتماعية للعاملين في التعليم الأولي، والاعتراف بدور الجمعيات في توسيع العرض التربوي، أم ستظل هذه الفئة تنتظر الإنصاف الذي دعا إليه؟ وفي انتقاده للسياسة التعليمية للحكومة السابقة، اعتبر بنعبد الله أن المشروع الإصلاحي للمدرسة العمومية تعرض للتراجع. كما توقف عند تجربة «مدارس الريادة»، معترفا بوجود جوانب إيجابية فيها، لكنه حذر من مخاطر تطوير هذه التجربة دون الرفع من مستوى باقي المؤسسات، بما قد يؤدي إلى تكريس التفاوتات داخل التعليم العمومي نفسه. وهنا يبرز التحدي أمام الوزير الجديد: كيف سيستثمر التجارب القائمة ويعالج أوجه القصور التي انتقدها، مع ضمان استفادة مختلف المؤسسات التعليمية من الإصلاح، بدل أن تتحسن أوضاع بعضها بينما تستمر أخرى في مواجهة صعوبات التعلم وضعف النتائج؟ كما دعا بنعبد الله إلى دعم الأسر الفقيرة للحد من الهدر المدرسي، مستحضرا إمكانية تخصيص دعم مالي للأطفال المنتمين إلى أسر معوزة، بما يساعد على استمرارهم في الدراسة. وهي مقاربة تضع السياسة التعليمية أمام مسؤولية مراعاة الظروف الاجتماعية للأسر، خاصة في المناطق القروية والهشة، حيث يمكن أن تتحول الصعوبات المادية إلى عائق أمام التمدرس. وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، انتقد الوزير الاعتماد على التكوينات السريعة للأساتذة، مؤكدا ضرورة التكوين في البيداغوجيا والديداكتيك وفهم نفسية الأطفال وطرق تدريسهم. كما شدد على أهمية تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للمدرسين، معتبرا أن الإصلاح لا يمكن أن ينجح دون جعل الأستاذ شريكا فيه، بدل الاكتفاء بمطالبته بتنفيذ القرارات. ولم يغب عن تصريحاته القانون الإطار المتعلق بالتربية والتكوين، الذي اعتبر أن مضامينه لم تحظ بالاهتمام اللازم، رغم ما يمثله من مرجع للإصلاح. كما انتقد طريقة التعامل مع احتجاجات الأساتذة، مشيرا إلى أن التأخر في التجاوب مع المطالب ساهم في إطالة الأزمة، وما رافقها من اضطراب في الزمن المدرسي. هذه الملفات لم تعد اليوم مجرد موضوع للنقاش السياسي؛ فقد أصبح بنعبد الله في موقع المسؤولية الذي يتيح له العمل على ما دافع عنه. غير أن الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ يتطلب قرارات واضحة، وموارد مالية وبشرية، وبرنامجا زمنيا، وحوارا مستمرا مع مختلف مكونات المنظومة التعليمية. فالتعليم الأولي يحتاج إلى التعميم والتأطير، والعاملون فيه ينتظرون تحسين أوضاعهم، والمدرسة العمومية تحتاج إلى تقليص الفوارق بين المؤسسات، والأساتذة ينتظرون تكوينا جيدا وظروف عمل أفضل، فيما تنتظر الأسر نتائج ملموسة تنعكس على مستوى أبنائها. ومن هنا، فإن تتبع تجربة نبيل بنعبد الله لن ينطلق من افتراض نجاحه أو إخفاقه مسبقا، بل من مقارنة ما سيقرره بما سبق أن دافع عنه، ورصد مدى انتقال مواقفه من التصريح إلى الممارسة. فالمسؤولية الحكومية تضعه أمام إكراهات حقيقية، لكنها تتيح له أيضا فرصة إثبات مدى قابلية تصوره للإصلاح للتنفيذ. لقد أصبح نبيل بنعبد الله وزيرا للتعليم، وتحول السؤال الصحفي الذي وُجّه إليه خلال الحملة الانتخابية إلى اختبار عملي لتصوراته. فهل سيترجم ما قاله بشأن التعليم الأولي وكرامة الأستاذ والمدرسة العمومية إلى إجراءات ملموسة، أم ستكشف ممارسة المسؤولية عن مسافة بين التشخيص والإنجاز؟ السؤال مفتوح، والإجابة ستقدمها القرارات والنتائج التي ستظهر على أرض الواقع خلال المرحلة المقبلة.