الحصاد 24

عناد الجزائر… طريقها نحو العزلة والاهتزاز.

alt=

ادريس طيطي

في زمن حققت فيه الدبلوماسية المغربية نجاحًا باهرًا، وفتحت فيه دول العالم أبوابها وقنصلياتها في وجه المملكة، لم تجد الجزائر غير الألم سلاحًا، ولا غير الحسد طريقًا. صارت ترقص مكرهة، مثل الديك المدبوح، بعدما وجدت نفسها معزولة وسط الإجماع الدولي المتزايد حول مغربية الصحراء.

ففي وقت انشغل فيه المغرب بتقوية شراكاته الاستراتيجية، وتثبيت مواقفه الثابتة دون عناد ولا عداء، راحت الجزائر تفرّغ ثروات شعبها كرشاوى سياسية، تعرض الغاز مقابل من يردّد معها أسطوانة “الصحراء الغربية” و”الاستفتاء”. بدل أن تبني اقتصادًا لشعبها، اختارت أن تشتري مواقف متجاوزة بأموال الغاز، في وقت صار فيه الحليب عملة نادرة لدى المواطن الجزائري.

والفرق صار صارخًا. في المغرب، تُفتح القنصليات في العيون والداخلة، وتُعقد الاتفاقيات مع باريس ومدريد وواشنطن. أما في الجزائر، فيُفتح دفتر الشيكات لشراء صمت بعض الدول الصغيرة، ويُعقد المؤتمر تلو الآخر فقط لترديد كلمات عفا عنها الزمن.

وإذا أردت أن ترى الفرق بوضوح، انظر إلى الطوابير. ففي الجزائر، يصطف المواطن على الزيت والحليب وقنينات الغاز. مشهد يومي بات جزءًا من المعاناة الجماعية. أما في المغرب، فالصورة معكوسة: لو دخلت المتاجر لوجدت الحليب والزيت هم من يصطفون على الرفوف في طوابير، ينتظرون المواطنين، لا العكس. الطوابير عندنا تُرى فقط في الأعياد أمام شبابيك الأبناك لصرف الأجور أو منح العيد… لا من أجل لقمة العيش.

ولم تقف المأساة هنا، فقد أظهرت الجزائر خبثها حتى في الأزمات، حين حلمت ذات يوم أن يُستهدف جاره المغرب بالإرهاب، وأن يُقسّم، بينما دول العالم تحلم بالازدهار والعيش الكريم لشعوبها. هكذا تفكر قيادة جزائرية تحكم شعبًا غنيًا وجعلته فقيرًا، يعيش على أرض غاز وماء، ويبحث عن قارورة غاز وقطرة ماء!

رئيسهم، بدل أن يعالج قضايا البطالة أو نقص المواد أو العطش، يطير من دولة إلى أخرى، يحمل ملف “الصحراء” كمن يحمل وصية قديمة، لا يريد أن يقرأها غيره. آخرها زيارته إلى سلوفينيا، التي ترك فيها رئيسة الدولة مصدومة، لا تفهم حرفًا مما يقوله، بعدما اختار أن يحاضرها عن “الاستفتاء” و”الشرعية الدولية” و”المناضلين الصحراويين”، عوض الحديث عن سبل التعاون بين البلدين. خطاب مشوش، خارج السياق، لا يُقنع إلا من قبض المقابل.

وقد سبق أن فعلها مع الرئيس التونسي، حين استغله وضعفه وورّطه في موقف معادٍ للمغرب القوي، فقط لأنه وجد فيه ثغرة مالية وسياسية.

لكن الحق اليوم بان، واللعبة اقتربت من نهايتها. قضية الصحراء تُحسم بواقعية وهدوء، أما المفاجأة الأكبر، فهي أن العالم بدأ يناقش تصنيف “البوليساريو” جماعة إرهابية. والسؤال الحرج: من يمول هذه الجماعة؟ من يؤويها؟ من يسلحها؟ الجواب معروف: الجزائر. فهل تكون الجزائر أول دولة تُتهم رسميًا بتمويل الإرهاب في شمال إفريقيا؟

إنها صفعة جديدة، ستُضاف إلى سجل العزلة الذي باتت تغرق فيه الجزائر، حتى صارت منبوذة في المحافل، مثار تهكم في المؤتمرات، ومسخرة أمام الدول. بلد يفتخر أنه بلا ديون، بينما لا يستطيع تأمين قارورة ماء أو قنينة زيت لشعبه.

أما المغرب، فدولة يحترمها الجميع، تُبنى بثقة، وتتحرك بثبات، ويتعامل معها العالم بندّية. لها مكانتها، وشعبها محبوب، ولها كلمتها في المنتديات. بينما الجزائر… فلا شيء سوى الدخان، والعداء، والطوابير

Exit mobile version