سوق الحرية.. حين يكون الحنين إلى الناس لا إلى العشوائية
ادريس طيطي – مجرد رأي – لا يختلف اثنان حول ما يتركه الحنين داخل الإنسان من ارتباك وجداني وروحي، لأن علاقتنا بالأماكن لا تبنى بالإسمنت ولا بالأزقة وحدها، بل بما علق فيها من وجوه وذكريات وسنوات عمر عبرت من هناك. لذلك يصبح طبيعيا أن يشعر الإنسان بالحزن وهو يرى مكانا اعتاد عليه يتغير أو يختفي، حتى وإن كان ذلك المكان يحمل في داخله الكثير من المعاناة والعشوائية. فالحنين في جوهره ليس دفاعا عن الفوضى، بقدر ما هو اشتياق إلى زمن مضى، وإلى بشر تقاسمنا معهم تفاصيل الحياة البسيطة بكل ما فيها من دفء وإنسانية. ولهذا فإن النقاش حول سوق الحرية يجب أن يكون نقاشا واقعيا بعيدا عن العاطفة وحدها. فالسوق، رغم ارتباط كثيرين به، ظل لسنوات عنوانا للعشوائية داخل مدينة تبحث عن صورة أكثر تنظيما وحداثة. يكفي أن يمر الإنسان بجانب السوق حتى تصدمه الروائح الكريهة والمظاهر التي لم تعد تليق بمدينة بحجم القنيطرة. كان المرور داخله أمرا مرهقا، ليس فقط بسبب الاكتظاظ، بل أيضا بسبب ظروف لم تعد مقبولة لا للباعة ولا للزبائن. ومع ذلك، فإن من الطبيعي أن نجد من تأثر أو حتى بكى لحظة الحديث عن هدم السوق أو إعادة هيكلته. فالإنسان لا يبكي دائما على الحجر، بل يبكي على السنوات التي قضاها هناك، وعلى العلاقات التي نسجها مع الناس، وعلى تفاصيل يومية أصبحت جزءا من ذاكرته. الباعة أنفسهم، رغم معاناتهم داخل السوق، يحملون ارتباطا مع المكان لأنه كان مصدر رزقهم وفضاء عاشوا فيه سنوات طويلة من التعب والأمل. لكن الواقعية تفرض علينا الاعتراف بأن المدينة لا يمكن أن تستمر رهينة للعشوائية. فالتجديد ليس عدوا للذاكرة، والتنظيم ليس حربا ضد الفقراء. بالعكس، المدن التي تحترم نفسها هي التي تبحث عن حلول تحفظ كرامة المواطن وتمنح فضاءاتها صورة حضارية تليق بها. لذلك فإن خطوة إزالة سوق الحرية وتعويضه بمشروع منظم وحديث تبقى خطوة مهمة في اتجاه إعادة الاعتبار للمدينة ولمدخلها وصورتها العامة. غير أن نجاح أي تحول لا يقاس فقط بجمالية البنايات أو حداثة المشاريع، بل أيضا بمدى احترامه للبعد الاجتماعي والإنساني. فالباعة الذين ارتبطوا بالسوق لسنوات لا يجب أن يشعروا بأنهم ضحايا التغيير، بل ينبغي أن يكونوا جزءا منه. ومن حقهم أن يستفيدوا من محلات أفضل تحفظ كرامتهم وتوفر لهم ظروفا ملائمة للعمل، حتى يكون الانتقال من العشوائية إلى التنظيم انتقالا إيجابيا يربح فيه الجميع. وأنا أستحضر هذا النقاش، أتذكر دوار البوشتيين حيث عشت سنوات من طفولتي. كلما تذكرت المكان يتملكني الحنين، رغم قساوة الظروف التي كنا نعيشها داخل براريك القزدير، بين الشتاء القاسي وحرارة الصيف وقلة الماء وغياب أبسط شروط العيش الكريم. لكن حين أعود بذاكرتي إلى تلك المرحلة، أكتشف أن اشتياقي ليس للقصدير ولا للمعاناة، بل للناس الذين كانوا هناك، للجيران، للنية الطيبة، للمحبة والبساطة التي كانت تجمع الجميع رغم الفقر. وهذا ما يجب أن نفهمه جيدا. الإنسان لا يحن إلى العشوائية، بل يحن إلى روحه القديمة داخلها. يحن إلى زمن كانت فيه العلاقات أكثر دفئا، وكانت الوجوه أكثر قربا من بعضها البعض. أما التطور والتنظيم وتحسين ظروف العيش، فهي أشياء لا يمكن إلا أن نكون معها، لأنها الطريق نحو مدينة أجمل وإنسان أكثر كرامة. لذلك فإن سوق الحرية، مهما ارتبط به الناس من ذكريات، لا ينبغي أن يبقى عنوانا للفوضى داخل المدينة. ومن حق القنيطرة أن تتغير، وأن تبحث عن صورة تليق بها، دون أن تنسى في الوقت نفسه من صنعوا ذاكرة المكان وعاشوا فيه سنوات طويلة. فالمدينة الحقيقية ليست فقط إسمنتا حديثا، بل هي أيضا وفاء للإنسان، واحترام لذاكرته، وحرص على أن يكون المستقبل أفضل من الماضي دون أن نمحو ما تركه الماضي في قلوبنا.