إدريس طيطي
الخيال الواحد والثلاثون –
هذا انا… ستيني في ليل المدينة، لا أزال اركض وراء حكاياتي، اتخبط بين واقع يشبه الخيال، وخيال يلبس عباءة الواقع. احيانا اقص ما سمعته، واحيانا ما عايشته، واحيانا انقذ نفسي بالخيال كي اهرب من وجع الحقيقة.
سرود كثيرة مرت. كتبت عن القمار، عن السكر، عن الطاولة التي دمرت البيوت، عن أب ذاق الخيانة، عن أم باعت ولدها، عن صديق الطفولة الذي جن، عن رجل ربى أبناء ليسوا من صلبه، عن المرأة التي اختفت، عن الجار الذي طعن في الظلام، عن الخيانة، عن دار العجزة، عن الوحدة، عن النسيان، عن الحنين. كل سرد كان طقسا للبوح، وخطوة في درب التحرر من حمل ثقيل.
لكن اليوم، شيء ما تغير. هذا السرد ليس فقط شهادة عن اخرين، بل شهادة عني انا، عن قلب عاش الخوف يوما، وتمرد عليه اخيرا.
كنت قد غادرت مدينتي الاصلية، وسكنت مدينة اخرى، ليس اختيارا بل مجبرا. هناك تقاطعت طريقي مع رجل لم أنسه يوما. رجل كنا نخشاه بالحي ، كان ظالما لا يرحم. كان يجر السكين كما تجر الريح الغضب، لا يتحدث كثيرا، لكن عيونه كانت تفعل. لم يكن يهمه القانون، ولا يخاف من الله. كان يعيش بين المخدرات والسكاكين والتهديدات. الكل يخشاه، والكل يهرب منه. كم من وجوه شوهها، كم من ابرياء ترك فيهم ندوبا دائمة، حتى ملامحهم لم تغفر لهم، لان مجتمعنا لا يرحم.
لم اكن طفلا وقتها، كنت في صباي، واعرف تماما حجم ظلمه، وكم دمر من حياة. كان متهورا، لا يهمه السجن ولا يهمه عدالة الله. كان ينتزع متاع الناس من ايديهم، يلوح بسكينه، ويتلذذ بخوف الاخرين. ربما قد دمر حياة الكثيرين بمجرد كانوا مارين من طريقه.
مرت السنين، تغيرت الاماكن، عشت في المدينة الاخرى التي فرضت علي الحياة فيها. وفي لحظة لا تشبه غيرها، وانا في زيارة عابرة لتلك المدينة، فقط لاجل الفسحة، لا اكثر، لم اتوقع ان اقف امامه.
كان واقفا، مائلا، ضعيفا، مهزوما. لا يحمل في يده سكينا، بل يسند رأسه على جدار بالكاد يقف عليه. نظرت اليه طويلا، ظننت انني اتوهم. ملامحه لم تتغير كثيرا، لكن قسوته ذابت. بنيته انهارت، صوته اختفى، ولم يبق سوى عينان تطفوان على تعب مرير.
لم يعرفني… لكنني عرفته، عرفته بسرعة. حين نظرت اليه، علمت انني تحررت، انني عبرت الى ضفة اخرى. كنت انظر الى ماضي قاس، وكأنه شريط يتقلب امامي. لم اشعر بالشفقة، ولم اشعر بالشمتة. شعرت بشيء يشبه الهدوء، وشيء يشبه الانصاف.
سبحانك ربي، كيف تسقط من ظن انه لا يسقط، كيف تكسر من ظن انه فوق الانكسار، كيف تعري القسوة من هيبتها.
ذلك الذي كان يملأ الازقة خوفا… صار مجرد رجل مهزوم، لا يستطيع ان يرفع رأسه. ظل فقط يحتفظ بشرارة في عينيه، لكن حتى تلك لم تعد تخيف.
دوام الحال من المحال. من كان يظن انه الجلاد، صار لا حول له ولا قوة.
هذا السرد، يختلف عن باقي سرودي، لانه لم يولد من خيال، ولا من حكاية منقولة، بل من عين رأت، وقلب شهد.
انا ادريس طيطي، والستيني يسكنني، ويكتب معي، بل احيانا يسبقني بالحروف. هو ليس شخصية روائية، بل ضلعي الذي يميل كلما استرجعت حكاية مثل هذه.
اليوم، وانا انظر اليه، شعرت انني عدت الى نفسي. عرفت انني لم اعد ذاك الفتى الخائف، بل انا رجل واجه وجه من كان يرعبه، وخرج منه منتصرا.
دوام الحال من المحال. وهذه هي الحكاية كلها.
