ادريس طيطي
( الخيال التاسع عشر )
هذا أنا… لا أدري من استدعى من. هل أنا من قرعت أبواب الذاكرة، أم هي التي باغتتني، وأنا في لحظة ضعف، أبحث عن ظل قديم يستر ما انكشف من وجعي
كنت أظن أن الماضي، حين يستحضر، يطمئن… فإذا به يفتتني. ظننت أن استعادة رائحة سيفيانا وسط كوميرة مع كوكا ستعيد لي شيئا من دهشة الطفولة، لكنها أعادت لي فقط طعم الغصة. كأن الجسد قال لي ليتك لم تفعل. كأن القلب صاح ليتك لم تفتح الباب
أنا الستيني… ذو الاحساس الرهيف، ذو الدمعة القريبة، ذو القلب الذي يخفق في كل جسدي، فأسمع نبضاته في ركبتي، في صدري، في عيني، في ظلي… وليتني ما قلبت… ليتني ما نبشت… فالماضي ليس حنينا فقط، بل اختبار قاس لذاكرتي الهشة
تخيلت أني سأسترجع ماضيا جميلا، فسرت في سوق الملابس المستعملة، أبحث عن سروال تجين راكلير، أو عن تريكو جاكار، أو حتى عن حذاء يشبه ما كنت أرتديه وأنا أركض في زقاق دوار البوشتيين. لكن لا سروال أعادني، ولا قميص دفاني… بل كل ما عدت به هو خيبة جديدة، معلقة على شماعة العمر
ولأني لا أستطيع الصمت، أخرج كل ليلة، أسير في شوارع المدينة، أصطاد حكاية من مقهى، أو من عجوز يحدق في اللاشيء، أو من عجوزة تتكئ على جدار الزمان وتبكي أبناءها الذين نسوها… وإن لم أجد حكاية… جلدت نفسي، جلدتها بنين صامت، بذكريات لا أبوح بها، بأسئلة لا جواب لها
أحيانا، الحكاية تدمرني، تفاصيلها تنخرني، ولكني أعود وأبحث عنها في الليلة التالية. كأني مدمن على الألم، كأني أعيش فقط لأسمع وجع غيري… وأقارن، ثم أعود إلى وحدتي
لا أعلم ما الذي أريد… هل أبحث عن عزاء؟ هل أبحث عني بين حكايات الآخرين؟ هل أهرب من حاضري لأرتمي في صدر ماض لا يجيد العناق؟
أنا الستيني… لا أبحث عن بطولات، ولا عن خلاص، كل ما أريد فقط، أن أفهم لماذا
…كل ما أريد فقط، أن أفهم لماذا كلما فتحت بابا في الذاكرة، أصفع بوجه كنت أحاول نسيانه
ولأني لا أجيد إغلاق الأبواب، أظل أفتحها، واحدا تلو الآخر، أجر خلفي ظلا مرهقا من الحنين، وأمضي
أمضي رغم كل شيء
رغم أن الحاضر لم يمنحني وطنا داخليا ألوذ إليه
ورغم أن الماضي صار كمنزل قديم تهدده الرياح، ولكني أعود إليه… لأجلس على أطلاله، وأحكي
لأنني ببساطة… لا أملك شيئا آخر غير الحكاية
وما دام في الليل فسحة، وفي المدينة ضوء شاحب، وفي قلبي نبض لم ينكسر بعد
سأظل أكتب
سأظل أسير
وسأظل أبحث عني
في أرصفة الأمس
وفي ضجيج المقاهي
وفي دمعة غريبة على خد رجل عجوز
أو في تنهيدة يتيمة من شرفة امرأة تنتظر من لا يعود
سأظل أبحث
حتى تسعفني الحكاية… أو تبتلعني
!!!
