الحصاد 24

خرجوا بحثا عن لقمة العيش.. فلا تجعلوا منهم ضحايا الغضب الانتخابي.

alt=
إدريس طيطي / مجرد رأي

مقهى باردة ، بحثنا عنها هربا من حرارة أخرجتنا من بيوتنا المتواضعة، التي لم تعد قادرة على الصمود أمام هذا القيظ. طلبنا شيئا باردا، ربما لنخفف به شيئا من حرارة الشارع التي تركناها خلفنا، وقلنا: الحمد لله.
لكن داخل المقهى، لفت انتباهي مشهد آخر.
كان هناك أناس في الشارع يوزعون منشورات انتخابية، يحملون أوراقا عليها صور وبرامج بعض المرشحين. وبينما كانوا يقومون بعملهم، بدأ أحد الاشخاص يوجه إليهم كلمات من السب واللوم، ويندد بهم ويتهكم عليهم، وكأن هؤلاء هم المرشحون أنفسهم، أو كأنهم سبق لهم أن جلسوا تحت قبة البرلمان واتخذوا القرارات.
لم يعجبني هذا السلوك، فاستدرت إلى صديقي وقلت له: ما ذنب هؤلاء؟ لماذا يصب هذا الشخص جام غضبه عليهم؟
هؤلاء مواطنون وجدوا فرصة عمل مؤقتة في هذه الحملة الانتخابية. يخرجون في هذه الحرارة، يحملون الأوراق ويوزعونها، لا ليقرروا مكان المرشح، ولا ليكتبوا برنامجه، ولا ليحاسبوا باسمه. هم فقط يشتغلون، وهذه فرصة عمل شاءت الظروف أن تأتيهم، بينما هناك آخرون يبحثون عنها ولا يجدونها.
وقد يكون أحدهم محتاجا إلى هذا التعويض أكثر مما نتصور.
ربما هناك أب ينتظر نهاية الحملة ليحصل على أجره، لأنه يحتاجه لشراء لوازم مدرسية لأبنائه. وربما هناك امرأة تنتظر هذا المبلغ لشراء الدواء، أو شخص يحتاجه لأداء فاتورة الماء والكهرباء، أو لشراء ما يسد به حاجة أسرته.
فما الذي يمكن أن يخرج انسانا في مثل هذه الحرارة، لولا حاجة ملحة تنتظره؟
ليست كل يد تحمل منشورا تحمل بالضرورة قناعة سياسية، وليست كل خطوة في حملة انتخابية تعني الولاء لمرشح. أحيانا تكون المسألة أبسط من كل التأويلات: انسان وجد فرصة عمل، فاستغلها.
لذلك، حين نرى هؤلاء في الشارع، فلننظر إليهم أولا باعتبارهم بشرا يبحثون عن مورد رزق.
خذ منهم الورقة إن شئت أو ارفض أخذها، وواصل طريقك. أما السب والإهانة فلا مبرر لهما.
إذا كان لديك سؤال للمرشح، أو اعتراض على حصيلته، أو انتقاد لبرنامجه، فهناك طرق كثيرة لذلك. انتظر المرشح نفسه، ناقشه، اسأله عما قدم وما الذي سيقدمه، وحاسبه على مواقفه ووعوده.
أما هذا المواطن الذي يقف تحت الشمس حاملا رزمة من الأوراق، فليس هو من كتب البرنامج، وليس هو من اتخذ القرار، وليس هو المسؤول عن التدبير أو الاختيارات السياسية.
وحتى إن رأيته يمدح مرشحا أو يدافع عنه، فأنت تملك عقلك وقناعاتك، وهو ايضا يملك اختياراته. اختلف معه كما تشاء، لكن لا تهينه.
ومن باب الانصاف، نتمنى من المرشحين أن يراعوا ظروف هؤلاء العاملين معهم، وأن يقدموا لهم تعويضا محترما يقدر مجهودهم، خصوصا في ظل هذه الحرارة التي لا يكاد الانسان يخرج فيها إلا للضرورة.
فالمرشح قد ينتهي من حملته ويعود إلى بيته، بينما هذا العامل البسيط سيعود أيضا إلى بيته، وربما في ذهنه حاجيات ينتظر أن يسدها بذلك المبلغ: لوازم مدرسية لابن، دواء لام، خبز للاسرة، أو فاتورة تنتظر منذ أيام.
نحن لا نعرف حكاية كل شخص نراه في الشارع. قد نراه يحمل أوراقا انتخابية، بينما هو في الحقيقة يحمل حاجة بيت كامل.
فلنختلف مع المرشحين كما نشاء، ولنحاسبهم على برامجهم وأفعالهم، لكن دعونا لا نحمل العامل البسيط وزر معركة سياسية لا يملك قرارها.
خذ الورقة أو اتركها… لكن لا تسب صاحبها.
فهو ربما لم يخرج حبا في المرشح، ولا إعجابا بما قدم، وإنما خرج لأن الحاجة قالت له: اذهب.
ولعل أقل ما يمكن أن نقدمه له، ونحن جالسون في مقهى بارد هربا من الشارع الحارق، هو أن نحترم تعبه، ونتركه يعود إلى بيته بكرامته.
#الحملة_الانتخابية
#انتخابات_2026
#العمل_والكرامة
#احترام_الناس
#كرامة_المواطن
#الظروف_الاجتماعية
#الحرارة_والحاجة
#مجرد_رأي
#إدريس_طيطي
#الحصاد24

Exit mobile version