حين يغفل ما لا يغفل ….. عن طفلة دخلت الحياة مبكرا وخرجت منها مكسورة
ادريس طبطي – مجرد رأي – وأنا أستمع وأتابع الروبورتاج الذي أنجزته جريدتا “أخبار الفجر المغربية” و“معمورة ميديا”، وجدت نفسي أمام شهادة تتجاوز حدود الخبر العابر، وتدخل مباشرة إلى عمق مأساة إنسانية يصعب المرور عليها مرورا عاديا. صوت السيدة التي تعرضت للاعتداء لا يمكن اختزاله في رواية بسيطة، فهو صوت يتأرجح بين ملامح فتاة وامرأة، بين طفولة لم تكتمل وتجربة قاسية فرضت نفسها مبكرا. ومع كل كلمة، تتكشف تفاصيل حكاية بدأت وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، حين دخلت علاقة مبكرة انتهت لاحقاً إلى ارتباط غير موثق في بدايته، ثم إلى زواج استمر دون عقد رسمي حوالي ثلاث سنوات، قبل أن يتم توثيقه لاحقا، وهي خلال هذه المرحلة كانت قد أصبحت أماً لطفلة، ثم لطفلين، وهي لا تزال في سن المراهقة. تقول في شهادتها إن حياتها مع زوجها لم تكن مستقرة، إذ سرعان ما بدأت المشاكل تطفو على السطح مع تدهور الوضع المادي، وتعاطي الزوج للمخدرات حسب روايتها، وإصراره على دفعها إلى الاقتراض لتوفير المال، سواء للمعيشة أو لتغطية حاجيات مرتبطة بالإدمان، ما جعل حياتها اليومية تتحول إلى ضغط دائم وصراع مستمر داخل البيت. ومع مرور الوقت، لم يعد الخلاف مجرد توتر عائلي، بل تطور إلى عنف متكرر، ثم إلى مرحلة أكثر خطورة بعد قرار الطلاق، الذي اتخذته حين لم تعد قادرة على تحمل الوضع، خاصة أمام التهديد والإهانة وسوء المعاملة. لكن ما بعد الطلاق لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية مرحلة أشد قسوة، حيث تشير الضحية إلى استمرار التهديد ومحاولة إجبارها على العودة، قبل أن يتطور الأمر إلى اعتداء جسدي خطير استهدف وجهها بواسطة أداة حادة، مخلفاً إصابة بليغة وتشويهاً واضحاً، جعلها اليوم تعيش مع آثار لا تمس الجسد فقط، بل تمتد إلى النفس والمستقبل. وفي لحظة مؤلمة من شهادتها، تتوجه إلى المحسنين والجهات المعنية بنداء لا يطلب المال ولا التعويض، بل يختزل كل الألم في مطلب واحد: عملية جراحية تعيد لوجهها بعض ملامحه التي ضاعت، بعد أن أصبح التشوه جزءا من حياتها اليومية ومن نظرة المجتمع إليها. أما الأم، فتظهر في الرواية كصوت موازٍ للألم، لكنها أكثر انكسارا. امرأة مريضة تعمل في الخدمة المنزلية، لا تطلب لنفسها شيئا رغم وضعها الصحي، بل تضع كل رجائها في علاج ابنتها، التي لا تزال شابة في الثالثة والعشرين من عمرها، وتعتبر أن ما حدث لها ليس مجرد اعتداء، بل فقدان لجزء من مستقبلها وملامحها. وتختصر الأم ندائها في جملة إنسانية بسيطة لكنها موجعة: “ارحموا ابنتي”. ومن هنا، لا تعود هذه القصة مجرد حادث فردي، بل تتحول إلى مدخل لقراءة أوسع لواقع اجتماعي أكثر تعقيدا، حيث تلتقي الطفولة المبكرة مع العلاقات غير المتوازنة، ويختلط الخوف بالعاطفة، والارتباط بالتهديد، في مسارات قد تبدأ بشكل بسيط لكنها تنتهي أحياناً إلى نتائج قاسية. لقد صادفت، بحكم الاحتكاك ببعض الوقائع المشابهة، حالات لفتيات صغيرات دخلن في علاقات مع شباب يعيشون أوضاعا مضطربة، سواء بسبب المخدرات أو الانحراف أو الهشاشة الاجتماعية. بعض هذه العلاقات تبدأ بشكل عاطفي، لكنها تتحول تدريجيا إلى علاقات قائمة على الخوف والضغط النفسي، حيث تصبح الفتاة غير قادرة على المغادرة رغم عدم اقتناعها، بفعل التهديد أو الرعب أو العزلة. وفي حالات أخرى، تنتهي هذه المسارات إلى الزواج، ليس دائماً كخيار واعٍ وناضج، بل أحياناً كخضوع للواقع أو هروب من الضغط، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من الصراع داخل مؤسسة يفترض أنها قائمة على الاستقرار، لكنها تحمل في داخلها كل ملامح البداية المضطربة. إن هذه النماذج، وإن بدت متفرقة، إلا أنها تكشف عن ظاهرة اجتماعية أعمق، تتطلب إعادة التفكير في لحظة البدايات: في حماية القاصرات، في دور الأسرة، وفي مسؤولية المجتمع في عدم ترك الفتيات في مواجهة مبكرة مع علاقات قد تفوق قدرتهن على الفهم أو المواجهة. فالمشكلة لا تكمن فقط في حادثة اعتداء، بل في المسار الذي سبقها، وفي البنية الاجتماعية التي تسمح أحياناً بأن تتحول الطفولة إلى مسؤولية مبكرة، والعاطفة إلى خوف، والحياة الزوجية إلى دائرة من الضغط بدل أن تكون مساحة أمان