الحصاد 24

حين تتحول الحروب إلى صواريخ أسعار: هل يملك المغرب درعا اقتصاديا لمواجهة العاصفة؟

alt=
ادارة النشر
الحصاد24
لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على ساحات القتال فقط، بل تمتد بسرعة إلى الأسواق العالمية، حيث تتحول التوترات العسكرية إلى أزمات اقتصادية تمس حياة ملايين الناس عبر العالم. فالحرب الدائرة في الشرق الأوسط لا تُقرأ فقط باعتبارها مواجهة عسكرية، بل أيضا كبداية لحرب اقتصادية قد تمتد آثارها إلى مختلف الدول، خصوصا تلك التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة.
وفي عالم تحكمه شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية، يكفي أن تهتز منطقة حيوية في سوق الطاقة حتى تبدأ سلسلة من الارتدادات في الاقتصاد العالمي. فارتفاع أسعار النفط والغاز لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة، بل يمتد إلى النقل والإنتاج والصناعة والغذاء، ما يفتح الباب أمام موجات تضخم قد تضرب اقتصادات عدة بدرجات متفاوتة. بعض الدول تمتلك أدوات الصمود والاحتياطيات والقدرة المالية التي تمكنها من امتصاص الصدمات، بينما تجد دول أخرى نفسها في مواجهة تداعيات قاسية قد تطول آثارها.
في هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن نطرح السؤال حول موقع المغرب في خضم هذه التحولات. فالمغرب، مثل كثير من الدول المستوردة للطاقة، يتأثر بشكل مباشر بأي ارتفاع في الأسعار العالمية. والطاقة ليست مجرد قطاع اقتصادي منفصل، بل هي العمود الفقري الذي تتحرك به مختلف القطاعات، من النقل إلى الفلاحة إلى الصناعة والخدمات. لذلك فإن أي اضطراب في أسعارها يتحول بسرعة إلى ضغط عام على الاقتصاد وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.
لكن النقاش هنا لا يتعلق فقط بتقلبات الأسواق العالمية، بل بمدى استعداد الدول لمثل هذه الأزمات. فالأزمات الكبرى تكشف دائماً قوة السياسات الاقتصادية أو هشاشتها. ومن هذا المنطلق، يطرح السياق الدولي الحالي تساؤلات مشروعة حول مدى جاهزية الاقتصاد المغربي لمواجهة صدمة تضخمية محتملة إذا طال أمد الحرب واتسعت تداعياتها.
ويكتسي هذا النقاش أهمية أكبر في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في المغرب، حيث يصبح تقييم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة الحالية أمراً مطروحاً بقوة. فالسؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت السياسات العمومية خلال السنوات الماضية قد وضعت أرضية صلبة قادرة على حماية الاقتصاد والمجتمع من مثل هذه الصدمات.
ففي عالم ترتفع فيه أسعار الطاقة بسرعة، يصبح الرهان الحقيقي هو القدرة على بناء ما يشبه “درعا اقتصاديا” يحمي المجتمع من موجات الغلاء. فإذا كانت الصواريخ العسكرية تضرب المدن في الحروب التقليدية، فإن “صواريخ الأسعار” قد تضرب القدرة الشرائية للمواطنين في الحروب الاقتصادية.
ومن هنا يبرز سؤال الأجور والدخول، باعتباره أحد أهم عناصر الصمود الاجتماعي. فهل تمتلك رواتب الموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص القدرة على التفاعل مع موجات التضخم المحتملة؟ وهل يمكن لهذه الأجور أن تشكل ما يشبه “القبة الواقية” التي تخفف من أثر الارتفاع المفاجئ في تكاليف المعيشة؟
كما يطرح الواقع الاجتماعي في المغرب إشكاليات أكثر تعقيدا، بالنظر إلى تنوع الفئات الاجتماعية وطبيعة سوق العمل. فإلى جانب الموظفين والأجراء، هناك فئات واسعة من المواطنين الذين يعتمدون على التجارة الصغيرة أو العمل غير المستقر، ولا يتوفرون على دخل قار يمكن أن يساعدهم على مواجهة ارتفاع الأسعار. وهناك أيضاً من يعيشون أوضاعا أكثر هشاشة، ما يجعلهم أكثر عرضة لتداعيات أي أزمة اقتصادية.
لذلك فإن الاستعداد لمثل هذه التحولات لا يتعلق فقط بالمؤشرات الاقتصادية الكبرى، بل أيضا بمدى وجود سياسات اجتماعية قادرة على التفاعل بسرعة مع الأزمات. فوجود برامج دعم مرنة أو آليات حماية اجتماعية فعالة يمكن أن يلعب دورا حاسما في تخفيف أثر الصدمات الاقتصادية على الفئات الأكثر هشاشة.
وفي حال طال أمد الحرب واتسعت تداعياتها، فإن العالم قد يشهد سباقا بين الدول من أجل تقليل خسائرها الاقتصادية والخروج بأقل الأضرار الممكنة. بعض الدول ستنجح في عبور العاصفة بفضل قوة اقتصادها واستعدادها المسبق، بينما قد تجد دول أخرى نفسها أمام تحديات أكثر تعقيدا.
بالنسبة للمغرب، قد يكون الظرف الحالي مناسبة لإعادة طرح أسئلة أساسية حول النموذج الاقتصادي والاجتماعي، ومدى قدرته على الصمود أمام الأزمات الدولية. فالعالم يدخل مرحلة تتزايد فيها المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يجعل بناء اقتصاد مرن وقادر على امتصاص الصدمات خياراً استراتيجيا لا يحتمل التأجيل.
وفي النهاية، قد لا يكون بإمكان المغرب التحكم في مسار الحروب التي تدور بعيدا عنه، لكنه يستطيع أن يحدد كيف يستعد لتداعياتها. فالأزمات العالمية قد تكون مفاجئة، لكن الاستعداد لها هو قرار داخلي يصنع الفارق بين مجتمع يواجه العاصفة بثبات، وآخر يجد نفسه في قلبها دون حماية كافية.
Exit mobile version