حنا ماشي بيادق»… صفعة تذكّر المنتخب بمسؤولية الغد.
بقلم: إدريس طيطي صادفني هذا الفيديو وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي. لا أعرف إن كان قديما أم حديثا، ولا أعرف إن كان تداوله في هذه الأيام مرتبطا بقرب الاستحقاقات الانتخابية أم أنه مجرد مقطع أعيد تداوله من جديد. دعونا من كل هذا. فقد يكون التوقيت سياسيا، وقد يكون بريئا، وقد تكون وراء إعادة نشره حسابات انتخابية، وقد لا تكون،فالنوايا لا يعلمها إلا الله. لكنني توقفت عند المداخلة نفسها، وقرأت كثيرا من التعليقات التي رافقتها، فوجدت نفسي أمام صورة مصغرة من النقاش الذي يعيشه المغاربة حول الشباب والسياسة. هناك من قال: هؤلاء هم الشباب الذين نحتاجهم. وهناك من رد: غادي نخليوهم حتى هما؟ ومنهم من رأى أن الشباب محاصرون داخل المجالس من طرف «الشيوخ والكَهول» ومن راكموا سنوات طويلة من الممارسة السياسية، حتى أصبح المجال صعبا أمام الوجوه الجديدة. وهناك من كان أكثر تشاؤما، فقال إن هذه الخطابات نسمعها كثيرا في البداية، لكن ما إن يصل أصحابها إلى المناصب حتى تتغير اللغة، وتختفي الحماسة، وتذوب الوعود، ويصبح الشاب الذي كان ينتقد الأمس جزءا من المشهد الذي كان ينتقده. وفي المقابل، كان هناك من يرى في هذه الأصوات ما يدعو إلى التفاؤل، ويقول: الحمد لله، لا خوف على المغرب ما دام فيه شباب يتحدثون بهذه الجرأة. بين هذه التعليقات كلها، وجدت نفسي في المنطقة نفسها: بين التفاؤل والخوف، وبين الأمل والشك. لذلك لا أريد أن أحكم على صاحب المداخلة. لا أعرف ما الذي كان في قلبه حين تحدث. ولا أعرف إن كانت دوافعه سياسية، انتخابية، حزبية، أم أخلاقية صرفة. ولا أملك الحق في ذلك أصلا. فالنيات لها أهلها، والله وحده أعلم بما في الصدور. وقد علّمنا القرآن الكريم أن الإنسان قد يقدم عذرا، وقد يبرر موقفه، لكن ما في القلوب أمره عند الله. ولهذا أفضل أن أترك النية جانبا، وأن أتوقف عند الخطاب والممارسة والمرافعة. ما الذي قاله الرجل؟ قال، ببساطة وقوة، إن المنتخبين ليسوا بيادق. قال إنهم لا ينبغي أن يرفعوا أيديهم للتصويت على أمور لم يطلعوا عليها ولم يناقشوها ولم يقتنعوا بها. وقال إن المنتخب سيعود غدا إلى المواطنين، إلى الأحياء والدوائر التي انتخبته، وسيكون مطالبا بأن يجيبهم عما صوت عليه. هذه النقطة بالذات هي التي استوقفتني. لأنها تعيدنا إلى سؤال أساسي كثيرا ما ننساه: لماذا ننتخب؟ هل ننتخب أشخاصا ليجلسوا داخل المجالس فقط؟ أم ننتخبهم لكي يمثلونا، ويقرأوا الملفات، ويفهموا القوانين، ويناقشوا، ويترافعوا، ويعارضوا حين تكون المعارضة ضرورية، ويوافقوا حين تكون الموافقة في مصلحة المواطنين؟ المستشار الجماعي ليس مجرد رقم داخل الأغلبية أو المعارضة. هو شخص حمله المواطن إلى المؤسسة، ومنحه صوته وثقته، وانتظر منه أن يكون حاضرا عندما يتعلق الأمر بمصالحه. ولهذا فإن عبارة «حنا ماشي بيادق» ليست، في نظري، مجرد جملة قوية تصلح للفيديوهات والتعليقات. إنها، إذا أخذنا معناها بجدية، اختصار لمسؤولية المنتخب. فالمنتخب الذي لا يعرف على ماذا يصوت، ولا يقرأ الوثائق، ولا يسأل، ولا يناقش، ولا يعرف كيف يترافع، ماذا يبقى من دوره؟ وهنا لا أتحدث عن هذا المجلس أو ذاك، ولا عن حزب دون آخر. أتحدث عن ظاهرة أوسع. عن تلك العقلية التي تجعل بعض المنتخبين يعتقدون أن الانضباط الحزبي يعني الصمت، وأن الانتماء إلى الأغلبية يعني الموافقة الدائمة، وأن الاختلاف مع الرئيس أو مع القيادة نوع من الخروج عن الصف. الديمقراطية ليست كذلك. الديمقراطية تحتاج إلى منتخب يعرف كيف يقول نعم، ويعرف أيضا كيف يقول لا، ويعرف قبل ذلك لماذا قال هذه ولم يقل تلك. نحن بحاجة إلى شباب يدخلون المؤسسات وهم يحملون المعرفة، لا مجرد الحماس. نحتاج إلى شباب يعرفون القانون، ويفهمون المساطر، ويعرفون كيف يترافعون، ويضعون أمامهم مصلحة المواطن والوطن. لكننا نحتاج أيضا إلى أن نكون حذرين من صناعة الأبطال من مقطع واحد. فمداخلة قوية لا تصنع وحدها سياسيا كبيرا، كما أن لحظة متعثرة لا تسقط بالضرورة تجربة كاملة. الحكم الحقيقي يكون بالممارسة والاستمرار. إذا بقيت الجرأة بعد الوصول إلى المسؤولية، وإذا ظل الدفاع عن المواطن قائما بعد انتهاء التصفيق، وإذا بقي القانون فوق الحسابات، عندها فقط يمكن أن نقول إننا أمام جيل جديد من السياسيين. أما إذا كانت الجرأة مجرد محطة عابرة قبل أن يبدأ البحث عن المواقع والمناصب، فسيكون المتشائمون على حق. لهذا أنا لا أزكي أحدا، ولا أدين أحدا. أنا فقط أقول إنني اشتقت إلى هذه المرافعة. اشتقت إلى منتخب يدخل المجلس وهو يعرف لماذا هو هناك. إلى شخص يقول للرئيس، باحترام ولكن من دون خوف: أعطني الوثيقة، دعني أقرأها، دعني أفهمها، ثم دعني أصوت. اشتقت إلى منتخب يشعر أن وراء يده التي ترتفع في قاعة المجلس آلاف المواطنين الذين سيحاسبونه غدا. وكم تمنيت أن نرى مثل هذه الروح في قباب البرلمان أيضا. أن يكون هناك صوت يتحدث بالحجة والقانون، وقلب يشعر بثقل الأمانة، وعقل يعرف أن السياسة ليست امتيازات ومقاعد، وإنما مسؤولية أمام الناس والوطن، وقبل ذلك أمام الله. لهذا، ربما لم يكن أهم ما في الفيديو بالنسبة إلي هو صاحبه. بل كانت أهميته في أنه أعاد إلينا سؤالا قديما وجدد فيه الحياة: ماذا نريد من شبابنا حين يدخلون السياسة؟ هل نريدهم أن يتعلموا الصمت؟ أم نريدهم أن يتعلموا المرافعة؟ هل نريدهم أن يصبحوا نسخة من الذين سبقوهم؟ أم نريدهم أن يحملوا معهم شيئا جديدا؟ أنا أريد شبابا يختلفون، لكن يعرفون كيف يختلفون. شبابا يترافعون، لكن يعرفون القانون. شبابا يرفضون، لكن يعرفون لماذا يرفضون. وشبابا إذا جلسوا على مقاعد المسؤولية، لم ينسوا الوجوه التي أوصلتهم إليها. أما الحكم على نياتهم، فذلك ليس لنا. الله وحده يعلم ما في القلوب. أما نحن، فلنراقب الأفعال. فإن بقيت المرافعة بعد انتهاء الانتخابات، وبقيت الجرأة بعد الوصول إلى المناصب، وبقي المواطن حاضرا في القرار، فربما نكون أمام جيل يستحق أن نعطيه ثقتنا. وإن تغير الخطاب وتغيرت المواقف، فسيكون من حق المواطن أن يسأل ويحاسب. في النهاية، لا أريد من هذا الفيديو أن يصنع لنا بطلا، ولا أن يصنع لنا خصما. أريده فقط أن يفتح نقاشا حول المنتخب الذي نحتاجه. منتخب لا يكون ديكورا. لا يكون مجرد رقم. ولا يكون مجرد يد ترفع عندما ترفع الأيدي. بل منتخبا يعرف أن صوته أمانة. ولهذا بقيت تلك العبارة ترن في رأسي: «حنا ماشي بيادق». نعم… لسنا بحاجة إلى بيادق داخل مجالسنا. نحن بحاجة إلى منتخبين يعرفون لماذا هم هناك، ولمن يتحدثون، وماذا سيقولون عندما يعودون إلى الناس. وربما، قبل كل شيء، نحتاج إلى شباب يقولون لنا: انهضوا… لا تناموا. فالمغرب لا يخاف من شباب يتكلمون.المغرب يحتاج إلى شباب يقولون كلمتهم. #حنا_ماشي_بيادق #المسؤولية_السياسية #المسؤولية_أمام_الله #صوت_المواطن #المواطن_أولا #المنتخب_مسؤول #المجالس_الجماعية #المرافعة_السياسية #الشباب_والسياسة #شباب_المغرب #الحكامة #الديمقراطية #دولة_الحق_والقانون #المساءلة #المحاسبة #الانتخابات #العمل_السياسي #صوت_الشباب #لا_للتصويت_الأعمى #الحصاد24