جنود المغرب في غزة وجنود الجزائر في النيجر.. هل تتحول المقارنة إلى وسيلة لصرف الأنظار عن الإخفاقات الدبلوماسية والأزمة المعيشية؟
بقلم: إدريس طيطي (مجرد رأي)
لم يكن ما دفعني إلى تناول هذا الموضوع مجرد اختلاف المواقف السياسية والعسكرية بين المغرب والجزائر، بل ذلك الكم من التعليقات التي تداولها جزائريون على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يربطون وجود جنود مغاربة ضمن ترتيبات قوة الاستقرار الدولية في غزة بخدمة إسرائيل، في مقابل اعتبار توجه جنود جزائريين نحو النيجر موقفا مشرفا ودليلا على قوة الدولة ونفوذها الإقليمي. هذه المفارقة دفعتني إلى الكتابة، ليس رغبة في مهاجمة الشعب الجزائري أو الإساءة إليه، وإنما أملا في أن تصل هذه المقارنة إلى المواطن الجزائري، وأن تمنحه فرصة للتفكير ولو مرة واحدة خارج دائرة الخطاب الذي تشبع به لسنوات. فقد يكون الإنسان مغيبا بكثرة ما يسمع، ومحاصرا بما يقدم له على أنه حقيقة مطلقة، لكنه يظل قادرا على مراجعة أحكامه متى وضع أمامه ما يستحق التأمل. ولعل هذه الكلمات تساهم في فتح نافذة للتساؤل، وربما تفتح عينا ظلت طويلا تنظر إلى الأحداث من زاوية واحدة.
ليست كل مشاركة عسكرية خارج الحدود مغامرة، وليست كل عملية إرسال للجنود دليلا على القوة أو النفوذ. فالفارق الحقيقي يكمن في طبيعة المهمة، والسياق الذي تجري فيه، والأهداف التي يراد تحقيقها، ومدى وضوح المسؤوليات والمخاطر المترتبة عنها.
ولعل ما تشهده الساحة الإقليمية اليوم يقدم نموذجا واضحا لهذه المفارقة؛ فبينما يجري الحديث عن مشاركة مغربية في ترتيبات قوة الاستقرار الدولية بقطاع غزة، اختارت الجزائر الدفع بقوات من جيشها نحو النيجر، في منطقة تعيش على وقع اضطرابات أمنية وتحديات عسكرية معقدة. وهنا تبرز أسئلة المقارنة: لماذا يشارك المغرب في مهمة دولية مرتبطة بحفظ الأمن والاستقرار، ولماذا تدخل الجزائر عسكريا في منطقة تتشابك فيها الصراعات والمصالح والحسابات الإقليمية؟
المغرب.. حين تكون الخبرة العسكرية في خدمة الاستقرار
إن مشاركة المغرب في ترتيبات قوة الاستقرار الدولية بغزة، وفق المعطيات المعلنة بشأن هذه الترتيبات، تختلف من حيث طبيعتها وأهدافها عن أي تدخل عسكري تقليدي. فالمغرب يضع خبرته العسكرية والأمنية ضمن إطار دولي متعدد الأطراف، يرتبط بالمساهمة في حفظ الأمن، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ودعم جهود الاستقرار وإعادة ترتيب الأوضاع في القطاع.
وهنا ينبغي أن نضع الأمور في نصابها: المغرب لم يرسل قواته لمحاربة الفلسطينيين، ولم يذهب لمواجهة حماس أو التضييق على سكان غزة، بل إن الحديث يتعلق بمهمة ذات طابع أمني وإنساني ضمن ترتيبات دولية. كما أن دعم المغرب للقضية الفلسطينية لم يكن يوما مقتصرا على الشعارات، بل ارتبط بمواقف سياسية وإنسانية ومبادرات عملية.
ومن المؤسف أن تتحول هذه المشاركة، في بعض الخطابات الجزائرية، إلى مادة للتشويه والاتهام بالاصطفاف مع إسرائيل، وكأن كل حضور مغربي في مبادرة دولية يجب أن يقدم باعتباره خيانة للقضية الفلسطينية. والحقيقة أن المشاركة في قوة دولية لا تعني التخلي عن الثوابت الوطنية، ولا تعني تبني جميع مواقف الأطراف المشاركة فيها.
بل إن توظيف الخبرة المغربية في مثل هذه المهام يعكس مستوى من الثقة في المؤسسة العسكرية والأمنية المغربية، وفي تجربتها الميدانية وقدرتها على التعامل مع الملفات المعقدة.
الجزائر في النيجر.. أي مصلحة وأي حسابات؟
في المقابل، نجد الجزائر أمام قرار مختلف تماما، بعدما فتحت الموافقة البرلمانية الباب أمام إرسال وحدات من جيشها إلى النيجر، تحت عنوان حماية المصالح الاقتصادية والطاقية المشتركة، وفي مقدمتها استثمارات سوناطراك ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء.
لكن هل يكفي الحديث عن حماية الاستثمارات لتبرير إرسال الجنود إلى منطقة تعيش اضطرابات أمنية متواصلة؟
النيجر ليست مجرد مساحة جغرافية يمكن تأمينها بمجرد نشر وحدات عسكرية. إنها جزء من منطقة الساحل التي تتقاطع فيها تحركات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتنافس الدولي، وتعيش فيها مؤسسات الدولة وتوازناتها الأمنية والسياسية على وقع تحديات معقدة. وبالتالي، فإن دخول الجيش الجزائري إلى هذا المجال قد يحول مهمة حماية المصالح الاقتصادية إلى التزام أمني أوسع، خصوصا إذا تعرضت القوات لأي هجوم أو استدعت التطورات تعزيزات إضافية.
والأكثر إثارة للتساؤل هو الحديث عن تمركز محتمل في مناطق قريبة من المثلث الحدودي بين النيجر وليبيا والجزائر، بعيدا عن بعض المواقع المرتبطة مباشرة بالمصالح النفطية التي تقدم باعتبارها مبررا للانتشار. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام مهمة محددة لحماية الاستثمارات، أم أمام محاولة لبناء حضور عسكري في منطقة تتصارع فيها المصالح والنفوذ؟
ثم إن تجربة الساحل نفسها تقدم دروسا كثيرة؛ فالتدخلات العسكرية التي بدأت بأهداف محددة وجدت نفسها، في حالات سابقة، أمام صراعات مفتوحة يصعب تحديد سقفها أو موعد نهايتها. والجندي الذي يذهب لحماية منشأة قد يجد نفسه مضطرا لحماية قاعدة وطرق إمداد ومواقع أخرى، وقد يصبح تأمين وجود القوات هو المهمة الأولى قبل حماية المصالح التي أرسلت من أجلها.
من الصحراء المغربية إلى النيجر.. أين تبحث الجزائر عن دور جديد؟
لفهم توقيت هذا التحرك، لا بد من وضعه في سياقه السياسي والإقليمي. فالجزائر تجد نفسها أمام مرحلة مختلفة في ملف الصحراء المغربية، بعدما حققت الدبلوماسية المغربية مكاسب مهمة عززت موقع مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وضيقت هامش المناورة أمام الأطروحة الانفصالية التي ظلت الجزائر تدعمها لعقود.
وإذا كانت الجزائر قد جعلت من هذا الملف محور سياستها الإقليمية لعقود، فإن التحولات الأخيرة تفرض عليها مراجعة حساباتها. فبعد سنوات من الإنفاق السياسي والمالي والدبلوماسي، لم يعد من السهل عليها الاستمرار في تسويق الرهان نفسه بالوسائل والخطابات السابقة.
بل إن المفارقة أن الجزائر أصبحت تحتضن فوق أراضيها قيادة جبهة البوليساريو ومؤسساتها ومخيماتها، بعدما كانت تقدم نفسها طرفا خارجيا في النزاع. وهكذا، تجد نفسها أمام واقع سياسي جديد: لم تعد القضية مجرد ملف إقليمي تديره من بعيد، بل أصبحت تتحمل بصورة مباشرة تبعات استمرار هذا الوضع فوق أراضيها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي تبقى للجزائر من دور إقليمي بعد تقلص هامش تأثيرها في هذا الملف؟ وأي قضية يمكن أن تعيد بها تعبئة خطابها الداخلي، وتستعيد من خلالها صورة القوة الإقليمية التي اعتادت تقديم نفسها بها؟
ولا يمكن فصل ذلك عن تعقيد علاقاتها الإقليمية؛ فالتوتر مع السلطات في مالي، والتحولات التي عرفتها علاقاتها مع دول الساحل، فضلا عن حساسية المشهد الليبي، كلها عوامل تجعل محيط الجزائر الجنوبي أكثر تعقيدا. أما تونس، فقد أصبحت بدورها ساحة تتداخل فيها الحسابات السياسية والاقتصادية والإقليمية، في ظل ارتباط استقرار المنطقة بتوازنات لا تتحكم فيها الجزائر وحدها.
ومن هنا تبدو النيجر مساحة جديدة لاختبار الحضور الجزائري، وربما محاولة لإعادة التموضع في منطقة فقدت فيها الجزائر جزءا من نفوذها التقليدي. لكن هل استعادة النفوذ تكون بإرسال الجنود، أم ببناء شراكات اقتصادية وسياسية مستقرة؟
مغامرة خارجية في وقت تتزايد فيه الأسئلة الداخلية
لا ينبغي أن نغفل الوضع الاجتماعي والاقتصادي داخل الجزائر. فالمواطن الذي ينتظر تحسن قدرته الشرائية، وتوفير المواد الأساسية، وفرص الشغل، وتحسين الخدمات، من حقه أن يسأل عن جدوى توجيه إمكانات الدولة إلى انتشار عسكري خارج الحدود، وعن العائد الحقيقي الذي سيجنيه من هذه الخطوة.
والأكثر إثارة للانتباه أن القادم قد يكون أصعب اقتصاديا، خاصة إذا استمر المغرب في نهج تقييد تدفق بعض منتجاته الفلاحية نحو الأسواق الإفريقية، في إطار محاولته حماية تموين السوق الداخلية والحد من الغلاء الذي يرهق المواطن المغربي. فالمعروف أن جزءا من المنتجات المغربية يصل إلى أسواق إفريقية، ومنها السوق الجزائرية عبر موريتانيا. وبالتالي، فإن استمرار هذا التوجه قد ينعكس على وفرة بعض المواد وأسعارها في تلك الأسواق، ويزيد من الضغوط المعيشية على مواطنيها. وهنا قد تجد الجزائر نفسها أمام تحد اقتصادي إضافي، في وقت تحتاج فيه إلى تخفيف أعباء المعيشة لا إلى فتح جبهات جديدة.
التحرك نحو النيجر وما هو إلا وسيلة لإلهاء الرأي العام عن الأزمات الداخلية، فهي قراءة سياسية يفرضها توقيت القرار وسياقه، لكن من المشروع التساؤل عما إذا كانت صناعة انشغال خارجي جديد ستصبح بديلا عن مواجهة الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.
والأخطر أن تتحول المقارنة بين المغرب والجزائر إلى وسيلة لتأليب الشعبين بعضهما على بعض، وإشغال الرأي العام بمعارك إعلامية لا تنعكس إيجابا على حياة المواطنين. فبدل أن ينشغل المواطن الجزائري بمساءلة حكومته عن أولوياتها، يجد نفسه مدفوعا إلى مناقشة مشاركة المغرب في غزة، وربطها بإسرائيل، وتقديمها في صورة معادية للفلسطينيين، بينما يتم التغاضي عن الأسئلة الحقيقية المرتبطة بإرسال جيشه إلى منطقة مضطربة.
بين المغرب الذي يشارك في ترتيبات دولية مرتبطة بالأمن والاستقرار في غزة، والجزائر التي تدفع بقواتها إلى بيئة الساحل المضطربة، لا ينبغي أن تضيع الحقيقة وسط المزايدات والشعارات. فلكل مهمة سياقها ومسؤولياتها ومخاطرها، ولكل دولة الحق في أن تسأل عن أهداف قراراتها العسكرية ونتائجها.
أما أن يتحول الجنود إلى أدوات في حسابات النفوذ، وأن تصبح المقارنات مع المغرب وسيلة لتغطية الأسئلة الداخلية، فذلك لا يخدم الشعوب ولا يصنع استقرارا.
فالجزائر اليوم مطالبة بأن تجيب عن سؤال بسيط: ماذا تريد أن تحقق في النيجر، وما الثمن الذي قد يدفعه جنودها وشعبها؟