الحصاد 24

# جمعيات طاطا بين إكراهات الواقع وانتظارات الشراكة.. هل تحمل الحكومة الجديدة نفسا جديدا للديمقراطية التشاركية؟

alt=
بقلم: إبراهيم نوحي – إقليم طاطا –
في ظل الإكراهات التي يعرفها الجسم الجمعوي بإقليم طاطا، وما يواجهه من صعوبات مرتبطة بالدعم والتواصل وفتح قنوات الحوار مع المسؤولين، يبرز من جديد سؤال جوهري حول مكانة المجتمع المدني في السياسات التنموية المحلية، ومدى الاعتراف بدوره شريكا أساسيا في النهوض بالمجالات الاجتماعية والثقافية والفنية والتربوية.
فالعمل الجمعوي الجاد ليس مجرد أنشطة مناسباتية أو حضور بروتوكولي في اللقاءات الرسمية، بل هو عمل ميداني مستمر، يقوم على تأطير المواطنين، وتشخيص الحاجيات، واقتراح الحلول، والترافع عن قضايا الساكنة، والمساهمة في تحقيق تنمية محلية تستجيب لانتظاراتها. غير أن هذا الدور يصطدم، في نظر عدد من الفاعلين الجمعويين، بإكراهات تحد من قدرتهم على المبادرة، في ظل محدودية فرص الدعم، وضعف التواصل، وغياب الالتقائية المطلوبة بين مختلف المتدخلين.
وهنا يحق لنا أن نطرح السؤال بصراحة: كيف يمكن مطالبة الجمعيات بالمساهمة في التنمية، بينما لا تتوفر دائما على الآليات الضرورية لبناء الشراكات، ولا تجد قنوات تواصل فعالة تتيح لها عرض مشاريعها ومناقشة مقترحاتها مع الجهات المسؤولة؟
لقد كرس دستور 2011 مبدأ الديمقراطية التشاركية، وفتح المجال أمام المواطنين وهيئات المجتمع المدني للمساهمة في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتقييمها، وفق الآليات والشروط التي يحددها الدستور والقانون. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التنصيص على هذا المبدأ فحسب، بل في تحويله إلى ممارسة يومية يشعر من خلالها الفاعل الجمعوي بأن صوته مسموع، ومقترحاته محل نقاش، ومبادراته تخضع لمعايير واضحة ومنصفة.
إن المطلوب اليوم بإقليم طاطا هو الانتقال من منطق الاستقبال الشكلي إلى منطق الشراكة الفعلية، ومن التواصل المناسباتي إلى الحوار المؤسساتي المنتظم، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الجمعيات، ويعزز الشفافية في تدبير الدعم العمومي، ويوضح معايير الاستفادة منه، بعيدا عن أي اعتبارات لا تخدم المصلحة العامة.
كما أن تنمية المجالات الاجتماعية والثقافية والفنية والتربوية لا يمكن أن تتحقق بجهود المؤسسات وحدها، ولا بعمل الجمعيات في معزل عنها، بل تحتاج إلى تعاون حقيقي وتنسيق مستمر وتكامل في الأدوار. فالجمعية التي تمتلك تجربة ميدانية وتعرف حاجيات الفئات التي تشتغل معها يمكن أن تكون شريكا في اقتراح الحلول وتنفيذ البرامج وتقييم نتائجها، متى توفرت الإرادة والآليات المناسبة لذلك.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية مشتركة بين المؤسسات المنتخبة والإدارات العمومية والقطاعات المعنية ومكونات المجتمع المدني، كل من موقعه واختصاصاته. ففتح الأبواب أمام الجمعيات، والتفاعل مع مراسلاتها، وتقديم التوضيحات بشأن مقترحاتها، وإشراكها في اللقاءات التشاورية، كلها خطوات من شأنها أن تعزز الثقة وتكرس ثقافة التعاون بدل المسافة والانتظار.
ومع تشكيل الحكومة المغربية الجديدة، يعود السؤال بقوة: هل ستشهد المرحلة المقبلة مراجعة لأساليب التعامل مع المجتمع المدني، من خلال رسائل واضحة وإجراءات عملية تعيد الاعتبار للمقاربة التشاركية، وتمنح الجمعيات الجادة فرصا أوسع للمساهمة في التنمية؟ وهل ستتحول الشعارات المتعلقة بالحكامة والإنصاف المجالي إلى برامج ملموسة تصل آثارها إلى الأقاليم، ومنها إقليم طاطا، بما يراعي خصوصياته وحاجيات ساكنته؟
أم أن الوضع سيظل على حاله، تستمر فيه المسافة بين الجمعيات والمسؤولين، وتغيب الالتقائية بين البرامج والمبادرات، وتبقى فرص الاستفادة من الدعم والشراكات محدودة أو غير واضحة بما يكفي لدى الفاعلين المعنيين؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف جهة بعينها، ولا ينكر ما قد تبذله بعض المؤسسات والمسؤولين من مجهودات، وإنما يروم فتح نقاش مسؤول حول واقع العمل الجمعوي وآفاقه، والدعوة إلى تقييم الممارسات القائمة على ضوء مبادئ الشفافية والمساواة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالجمعيات الجادة لا تطالب بامتيازات خاصة، ولا تسعى إلى الحلول محل المؤسسات، وإنما تطالب بحقها في التواصل والإنصات والمشاركة وفق القانون، وبإرساء شروط عادلة تتيح لها القيام بأدوارها في خدمة المواطن والصالح العام.
**إن الرهان الحقيقي اليوم هو أن تصبح الديمقراطية التشاركية ممارسة ملموسة، لا مجرد مقتضى دستوري أو شعار في الخطابات؛ وأن تتحول الشراكة إلى التزام متبادل، والدعم إلى آلية لتحقيق الأهداف التنموية، والتواصل إلى جسر دائم بين المسؤولين والفاعلين الجمعويين.**
فهل تحمل الحكومة الجديدة نفسا مختلفا يعيد الثقة إلى الجسم الجمعوي، ويجعل من المجتمع المدني شريكا فعليا في صناعة التنمية؟ أم ستظل الانتظارات قائمة، في انتظار إجراءات تنقل العلاقة بين المؤسسات والجمعيات من حدود الاعتراف النظري إلى واقع المشاركة والمسؤولية المشتركة؟
#طاطا #المجتمع_المدني #الجمعيات_الجادة #الديمقراطية_التشاركية #العمل_الجمعوي #الشراكة_المؤسساتية #التنمية_المحلية #الدعم_الجمعوي #الحكومة_الجديدة #الحكامة_الجيدة #العدالة_المجالية #التنمية_الثقافية #التنمية_الاجتماعية #إقليم_طاطا #إبراهيم_نوحي
Exit mobile version