الحصاد 24

تفاقم الظاهرة ومسؤولية الإهمال… أطفال ضحية الإهمال، يترعرعون وسط الشرخ وتكبر فيهم بذور الحقد بدل قيم التضامن

alt=
ادريس طيطي – مجرد رأي
في زاوية قد تبدو للبعض عادية، بل مجرد شجار أطفال، يتشكل بصمت خطر أكبر بكثير مما نتصور. خطر لا يقاس بعدد الحجارة المتراشقة ولا بجروح عابرة، بل يقاس بذلك الشرخ الخفي الذي يبدأ صغيرا… ثم يكبر داخل النفوس، ويغذيه منطق الثأر الذي يتسلل مبكرا إلى عقول لم تكتمل بعد.
ما يحدث اليوم في عدد من الأحياء الشعبية، ومنها حي البوشتيين، لم يعد مجرد لعب مشاغب أو اندفاع طفولي عابر. نحن أمام ظاهرة تتكرر يوميا: أطفال في عمر الثامنة إلى الثالثة عشرة، يتقاطرون من أحياء مجاورة، يتواجهون، يتراشقون، يطارد بعضهم بعضا، وكأنهم في حرب صغيرة تديرها البراءة في ظاهرها، لكنها تخفي في عمقها بذور عداء حقيقي.
بالأمس فقط، وأنا عائد إلى منزلي، عاينت مشهدا لا يمكن اعتباره عاديا بأي حال. طفل سقط في قبضة مجموعة من أبناء البوشتيين، يركض هاربا، وهم يلاحقونه، يضربونه دون رحمة.. صرخت، حاولت أن أوقف المشهد، الذي كان بعيدا بعض الشيئ  لولا تدخل بعض المارة في اللحظة المناسبة، لكان ذلك الطفل عرضة لإصابات خطيرة
الخطير في الأمر ليس فقط ما قد ينجم من إصابات جسدية، رغم خطورتها، ولا حالة الفوضى التي تربك المارة والسائقين وتجعلهم يسيرون بحذر خوفا من تكسير زجاج سياراتهم. الأخطر هو ما يزرع داخل هؤلاء الأطفال: شعور بالانتماء الضيق، نحن ضد هم، حي ضد حي، وكأن الوطن انقسم فجأة إلى جزر متناحرة، يحكمها منطق الثأر بدل روح الأخوة، هنا يكمن الخطر الحقيقي.
لأن الطفل الذي يعتاد على هذا النمط من العداء، لن ينساه بسهولة حين يكبر. بل قد يتحول هذا التوتر إلى حقد متراكم، وإلى ثقافة صراع بدل ثقافة تعايش. وعوض أن ينشأ جيل على قيم التضامن والتآخي، نجد أنفسنا أمام جيل يطبع مع العنف والانقسام منذ سنواته الأولى.
المفارقة المؤلمة أن تدخلات الأمن، حين تقع، تبدو محدودة ومحرجة في آن واحد. كيف يمكن التعامل مع أطفال صغار؟ هل يعتقلون؟ هل يزج بهم في مساطر قانونية؟ رجال الأمن أنفسهم يجدون صعوبة في التعامل مع هذا الواقع، لأن الإشكال أعمق من مجرد تدخل ميداني.
إنه خلل في المتابعة، في التربية، وفي الإحساس بالمسؤولية.
ولهذا، فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تظل سطحية أو مناسباتية. الحل لا يكمن فقط في المطاردات أو التفريق المؤقت، بل في إعادة ربط المسؤولية بأصلها: الأسرة.
حين يغيب طفل لساعات طويلة، يتنقل بين الأحياء، وينخرط في معارك يومية، فذلك ليس مجرد سلوك فردي، بل مؤشر على غياب المراقبة والتتبع. وهنا، يصبح من الضروري التفكير في مقاربة أكثر حزما، تحمل أولياء الأمور جزءا من المسؤولية، ليس من باب العقاب فقط، بل من باب التنبيه والردع.
قد يبدو الحديث عن غرامات مالية موجها للجيوب، لكنه في العمق موجه للوعي. لأن بعض الأسر لن تستشعر خطورة الأمر إلا حين تدرك أن الإهمال له كلفة. كلفة مادية اليوم… قبل أن تصبح كلفة اجتماعية وأمنية غدا.
بالموازاة مع ذلك، يظل دور السلطات المحلية محوريا، من خلال القرب اليومي الذي يوفره أعوان السلطة، ومعرفتهم الدقيقة بالأسر والأحياء. توجيه الاستدعاءات، التنبيه، التحذير… كلها خطوات قد تبدو بسيطة، لكنها قادرة على خلق نوع من اليقظة الجماعية.
نحن لسنا أمام مشكل أطفال، بل أمام نواة أزمة مجتمعية إذا تركت دون تدخل جدي.
اليوم، ما زال بالإمكان احتواء الظاهرة، إعادة توجيهها، غرس قيم بديلة. لكن إن استمر التساهل، فإن حروب الأطفال قد تتحول، بعد سنوات، إلى صراعات حقيقية بين شباب تشبعوا بثقافة العداء ومنطق الثأر منذ الصغر.
Exit mobile version