الحصاد 24

تجربة قائدة في السلطة المحلية… حين أنصف الميدان كفاءة المرأة المغربية

alt=
إدريس طيطي
حين نتحدث عن القائدة في السلطة المحلية، فنحن لا نقصد أي موقع قيادي عام، بل نتحدث عن منصب محدد داخل هرم الإدارة الترابية، يتعلق بقائدة تمثل السلطة المحلية وتشرف ميدانيا على تدبير شؤون المقاطعة أو القيادة، وتسهر على تطبيق القانون، وتتواجد في قلب الاحتكاك اليومي مع المواطنين. هذا التوضيح ضروري، لأن الفرق كبير بين مفهوم القيادة بشكل عام، وبين موقع القائدة كحلقة أساسية في جهاز السلطة المحلية، بما يحمله من مسؤوليات ميدانية مباشرة.
لم يكن ولوج المرأة المغربية إلى هذا السلك حدثا عاديا، بل كان خطوة جريئة وقرارا إصلاحيا حمل في طياته الكثير من الرهانات. ففي سنة 2008، أعلنت وزارة الداخلية عن أول تعيين لدفعة من النساء في منصب قائد، وبلغ عددهن حوالي 12 امرأة، في سابقة كسرت احتكارا تاريخيا ظل هذا المجال فيه حكرا على الرجال لعقود طويلة. كانت تلك البداية محاطة بتوجس كبير، حيث اعتبرها البعض مجرد تجربة قد لا تصمد أمام صرامة الميدان وثقل المسؤولية.
الشكوك يومها لم تكن خافتة، بل كانت صريحة: كيف ستتدبر المرأة مهاما تتطلب احتكاكا يوميا بالمواطنين؟ كيف ستتعامل مع نزاعات الشارع، ومع واقع يتطلب الحزم والصرامة وفرض هيبة القانون؟ كان الاعتقاد السائد أن هذه التجربة قد تجهض في بدايتها، أو على الأقل ستظل محدودة التأثير.
لكن ما حدث بعد ذلك قلب كل التوقعات.
الميدان، مرة أخرى، كان أصدق من كل الأحكام المسبقة. فقد انخرطت القائدات منذ اللحظة الأولى في أداء مهامهن بكفاءة عالية، وفرضن حضورهن في مختلف الواجهات، دون تردد أو تراجع. ومع مرور السنوات، لم تتراجع التجربة، بل توسعت، وارتفع عدد النساء الملتحقات بهذا السلك، وبدأنا نرى مسارا مهنيا متدرجا: من قائدات إلى باشوات، إلى كاتبات عامات، وصولا إلى مناصب عاملات على رأس أقاليم. هذا التدرج لم يكن مجاملة، بل نتيجة عمل ميداني جاد، وتراكم تجربة، وإثبات للكفاءة في مواقع المسؤولية.
وخلال جائحة كورونا، برز هذا الحضور بشكل لافت. كانت القائدات في الصفوف الأمامية، يشتغلن في ظروف صعبة، يسهرن على تطبيق التدابير، وينخرطن في حملات التحسيس، بل إن بعضهن أصبحن نماذج يشار إليها، سواء في الميدان أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي وثقت تلك اللحظات. لقد كان ذلك الاختبار الحقيقي الذي أسقط ما تبقى من الشكوك.
وفي مدن مثل القنيطرة، تجلت هذه الصورة بوضوح. قائدات في قلب الميدان، في تدبير الشأن العام، في مواكبة التظاهرات، وفي الحضور الدائم حتى في ساعات متأخرة من الليل. ولم يقتصر دورهن على الحزم فقط، بل برزن أيضا في كيفية تدبير قضايا حساسة مثل احتلال الملك العام، حيث يتطلب الأمر توازنا دقيقا بين تطبيق القانون ومراعاة البعد الاجتماعي. فقد أبانت القائدات عن حكمة كبيرة في التعامل مع هذه الملفات، من خلال اعتماد الحوار والتريث وتفادي الاصطدام مع المواطنين، لأن الأمر في عمقه قضية اجتماعية محضة تحتاج إلى تدبير هادئ ومسؤول، لا إلى قرارات متسرعة.
القنيطرة ليست استثناء، بل نموذج عايناه عن قرب. وما تحقق فيها يتكرر في مدن أخرى عبر مختلف ربوع المملكة، حيث تؤكد التجربة أن القائدة في السلطة المحلية أصبحت رقما فاعلا في معادلة التدبير الترابي، بنفس الكفاءة والالتزام، ونفس القدرة على التوازن بين صرامة القانون وروح المسؤولية الاجتماعية.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يمكن فصله عن الدور التاريخي للقياد الرجال، الذين راكموا تجربة مهمة وأسهموا في تأطير هذا المجال. فاليوم، نحن أمام تكامل حقيقي، لا صراع فيه، حيث تشتغل الكفاءة إلى جانب الكفاءة، داخل نفس المنظومة، وبنفس روح المسؤولية.
لقد أثبتت التجربة أن تلك الشكوك الأولى لم تكن في محلها. فالمرأة المغربية لم تواكب فقط متطلبات هذا المنصب، بل أسهمت في تطويره، وأضافت إليه نفسا جديدا. وما كان ينظر إليه كتجربة محفوفة بالمخاطر، تحول إلى قصة نجاح مغربية بامتياز.
 نعم ، العطاء لا يرتبط بجنس، بل بالكفاءة والالتزام. وما بدأ سنة 2008 كخطوة جريئة، أصبح اليوم مسارا راسخا، يمنح للسلطة المحلية قيمة مضافة حقيقية، ويؤكد أن الميدان وحده كفيل بإنصاف من يستحق.
Exit mobile version