بين خطاب التفاوض وسلوك الاستفزاز… أي رسالة تريد الجزائر إيصالها؟
ادارة النشر
ادريس طيطي هل يعقل أن تجلس دولة إلى طاولة التفاوض من أجل مناقشة خارطة طريق للحكم الذاتي، بينما تدير في الوقت نفسه داخل حدودها سيناريو مغايرا تماما؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين اليوم وهم يراقبون السلوك الجزائري في ملف الصحراء. ففي الخارج، تشارك الجزائر في المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، وتظهر كطرف منخرط في البحث عن تسوية، في لقاءات دولية كان آخرها اجتماعات احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد. أما في الداخل، فتبدو الصورة مختلفة، حيث تتوالى مبادرات وتصريحات وأنشطة مرتبطة بجبهة البوليساريو تعطي الانطباع بأن خطاب التهدئة شيء، والممارسة السياسية شيء آخر. فالحديث عن إنشاء كيانات أو اتحادات تحمل تسميات مرتبطة بما يسمى “الصحراء الغربية”، أو الترويج الدبلوماسي لمصطلحات سياسية حساسة، أو حتى تنظيم أنشطة رمزية وإعلامية، كلها خطوات يقرأها كثيرون باعتبارها رسائل استفزازية أكثر منها مبادرات سياسية واقعية. ويزداد هذا التناقض وضوحا عندما يأتي ذلك في وقت يواصل فيه المجتمع الدولي الدفع نحو حل سياسي قائم على الواقعية والتوافق، وهو المسار الذي أكد مجلس الأمن التابع لـمجلس الأمن دعمه له مرارا باعتباره الإطار الوحيد القابل للتطبيق. إن الإشكال اليوم لم يعد فقط في الخلاف بين المغرب والجزائر، بل في الرسائل المتضاربة التي تصل إلى الرأي العام داخل الجزائر نفسها. فالشعوب تحتاج إلى وضوح في الرؤية، لا إلى تعدد في الخطابات. المواطن الجزائري، الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية يومية، لا ينتظر تصعيدا سياسيا جديدا، بل ينتظر حلولا تعزز الاستقرار وتفتح آفاق التنمية. لذلك يتساءل كثيرون: ألم يحن الوقت لمصارحة الشعب بالحقيقة؟ ألم يحن الوقت لتحويل الطاقات نحو البناء بدل إبقائها أسيرة صراع سياسي طال أكثر مما ينبغي؟ إن الإلهاء بالصراعات الخارجية قد يمنح الأنظمة هامشا من الوقت، لكنه لا يصنع مستقبلا. وحدها الشفافية السياسية، والاعتراف بالمتغيرات الدولية، والعمل المشترك مع الجوار، هي ما يمكن أن يفتح باب الخروج من الأزمات التي تخنق المنطقة كلها. فالتاريخ أثبت أن النزاعات لا تنتهي بالإنكار ولا بالشعارات، بل بالشجاعة السياسية والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال معلقا: إلى متى يستمر هذا التناقض بين خطاب التفاوض وسلوك التصعيد؟ وهل تدرك الجزائر أن المنطقة لم تعد تحتمل مزيدا من الأزمات المفتوحة، وأن مستقبل الشعوب أهم من رهانات السياسة الضيقة؟