بنكيران يرفع سقف الرد على المنصوري: أنتِ اللي بغيتي تشوفيني.. وحتى واحد ما غادي يمشي عندكم
إدريس طيطي/مجرد رأي
«لا تفتحوا أبواب المقر وتنتظرونا، فلا أحد من العدالة والتنمية سيأتي». بهذه العبارة الحاسمة ضمن تصريحه، فاجأ الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري، رافضا التوجه إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة لعقد اللقاء الذي كان قد جرى التوافق مبدئيا على ترتيبه بين الطرفين. وكان بنكيران قد أوضح في مقطع فيديو نشر ليلة الأربعاء، أن التواصل مع المنصوري بدأ بشكل ودي، وأنه لم يكن لديه أي اعتراض مبدئي على استقبالها، انطلاقا من احترامه لصفة رئيسة الحكومة المعينة، رغم أن حزب الأصالة والمعاصرة يمثل خصما سياسيا للعدالة والتنمية. لكن نقطة التحول جاءت عندما أصبح مقر حزب الأصالة والمعاصرة بالرباط هو المكان المقترح للقاء. بحسب رواية بنكيران، لم يكتف بالقول إنه يفضل مكانا آخر، وإنما رفض بشكل مباشر الذهاب إلى مقر الحزب، وقال للمنصوري، بمعنى كلامه: «لا لا لا فاطمة الزهراء، أنا ما غنجيش عندكم للمقر ديالكم، إذا بغيتي تشوفيني أنت أجي عندي». ومن هنا بدأ الخلاف يأخذ منحى يتجاوز مجرد تحديد مكان الاجتماع. فبنكيران يقول إن المنصوري حاولت تذكيره بأن أعضاء حزب الأصالة والمعاصرة سبق أن زاروه في مقر العدالة والتنمية عندما أصبح رئيسا للحكومة سنة 2011، في إشارة إلى أن الانتقال إلى مقر الطرف الآخر ليس سابقة في العلاقة بين الحزبين. لكن هذا التذكير رفع سقف الحديث، لأن بنكيران لم يتعامل معه باعتباره حجة تلزمه برد الزيارة، بل رد بصيغة أكثر حدة: «أنا ما طلبتش منك باش نشوفك. أنت اللي طلبتي باش تشوفيني. إذا بغيتي تشوفيني أجي لعندي». هنا تغيرت نبرة الحديث بشكل واضح. فبعد بداية ودية، أصبح بنكيران أكثر مباشرة، وكأنه يريد الفصل بين احترام المنصوري بصفتها رئيسة للحكومة المعينة، وبين قبول شروط اللقاء التي اقترحها الطرف الآخر. ثم استحضر بنكيران تجربته سنة 2011. وهنا تكمن واحدة من أهم نقاط التصريح، لأن استحضاره لتلك المرحلة لم يأت من تلقاء نفسه، بل جاء ردا على تذكير المنصوري له بزيارة مسؤولي “البام” عندما أصبح رئيسا للحكومة. قال بنكيران إنه عندما عين رئيسا للحكومة، توجه بنفسه إلى عدد من رؤساء الحكومات والوزراء الأولين السابقين، من أجل الاستفادة من تجاربهم، مستحضرا عبد الرحمان اليوسفي وعباس الفاسي ومحجوبي أحرضان ومحمد بن سعيد، كما تحدث عن زيارته لعبد الواحد الراضي في إطار التواصل مع الاتحاد الاشتراكي. وبذلك بدا رد بنكيران واضحا: إذا كان مسؤولو “البام” قد جاؤوا إليه عندما أصبح رئيسا للحكومة، فهو بدوره، عندما تولى المسؤولية، ذهب إلى من سبقوه للاستفادة من خبرتهم، وكأن بنكيران أراد أن يقول للمنصوري: هل المدرسة تزور التلميذ؟ فالرسالة هنا أن من يتولى المسؤولية الجديدة يمكنه أن يذهب إلى أصحاب التجربة للاستفادة منهم، وأن طلب الاستفادة من السابقين لا ينتقص من موقع المسؤول الجديد. وفي الوقت نفسه، حرص بنكيران على التأكيد أن موقفه لا يتعلق بعدم الاعتراف بالصفة المؤسساتية للمنصوري. فهي، بحسب منطقه، أصبحت بعد تعيينها من طرف الملك رئيسة للحكومة، وهذه الصفة تستوجب الاحترام، مهما كانت طبيعة الخصومة السياسية بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة. وهنا ظهر في خطابه مستويان متوازيان: احترام واضح للموقع المؤسساتي للمنصوري، وتشدد واضح في شروط التواصل السياسي معها. بعد ذلك، أخذت رواية بنكيران منحى آخر. فبحسب تصريحه، كانت المنصوري قد طلبت مهلة قبل أن تعود وتتصل به بشأن إمكانية عقد اللقاء في اليوم الموالي على الساعة الخامسة مساء. لم يعترض بنكيران على اللقاء من حيث المبدأ، لكنه تمسك بموقفه بشأن المكان، مؤكدا أنه لن يتوجه إلى مقر الأصالة والمعاصرة. ثم انتظر أن تعاود المنصوري الاتصال به، لكن ذلك لم يحدث، بحسب روايته. وهنا بادر هو إلى الاتصال بها، وقال لها، بمعنى كلامه، إنه إذا كان اللقاء قد أصبح يسبب لها حرجا، فإنه مستعد لأن يرفع عنها هذا الحرج وتأجيل الموعد إلى وقت آخر. وعبارة «نرفع عليك الحرج» تبدو من أكثر العبارات دلالة في التصريح. فبنكيران لم يقل إن المنصوري تراجعت، ولم يحدد أن هناك جهة تدخلت في الموضوع، لكنه اختار أن يقرأ عدم استمرار التواصل باعتباره وضعا يستدعي إنهاء الانتظار، ومنح الطرف الآخر مخرجا عبر تأجيل اللقاء. ومن الناحية السياسية، يمكن أن تحمل العبارة إيحاء بأن بنكيران شعر بأن ترتيب اللقاء أصبح محاطا بحسابات أوسع من مجرد اتصال بين شخصين. لكن ذلك يبقى قراءة في دلالة كلامه، ولا يمكن الجزم انطلاقا من تصريحه وحده بأن قرارا آخر كان وراء عدم إتمام اللقاء. بعد ذلك، ومع تداول أخبار عن احتمال توجه وفد من العدالة والتنمية إلى مقر الأصالة والمعاصرة في اليوم الموالي، خرج بنكيران ليضع حدا لكل التأويلات. وكانت عبارته أكثر حدة: «حتى واحد ما غيمشي لعندهم غدا مع الخمسة». ثم وجه رسالته بشكل مباشر: لا تفتحوا أبواب المقر ولا تنتظروا أعضاء العدالة والتنمية. هنا خرج الموضوع من دائرة النقاش حول موعد بين شخصين، وأصبح موقفا سياسيا معلنا باسم الحزب. فالعدالة والتنمية، الذي حصل في انتخابات 2026 على 54 مقعدا، عاد إلى المشهد البرلماني بحضور يمنح أمينه العام مساحة مختلفة في مخاطبة المرحلة، وهو معطى لا يفسر وحده موقف بنكيران، لكنه يندرج ضمن السياق السياسي الذي تحدث فيه بثقة ووضوح أكبر عن موقع حزبه. ولذلك كان حريصا على التأكيد أن التواصل مع رئيسة الحكومة لا يعني التفاوض حول المشاركة في الحكومة، فقالها بشكل صريح: «الحكومة إحنا ما داخلينش لها، انتهى الكلام». وهذه النقطة أساسية في قراءة التصريح، لأن المنصوري كانت، من موقعها كرئيسة حكومة معينة، تعمل على فتح قنوات التواصل مع مختلف المكونات السياسية، بينما كان بنكيران يريد أن يحافظ على خط فاصل بين التواصل السياسي وبين أي تأويل يمكن أن يربطه بمفاوضات حول الدخول إلى الحكومة. فقد تكون محاولة المنصوري للقاء بنكيران جزءا من رغبة في خلق دينامية تواصلية أوسع مع مختلف الأحزاب، بما فيها الحزب الذي اختار المعارضة، وربما تخفيف حدة المسافة بين الحكومة والمعارضة منذ البداية. لكن لا يمكن الجزم بما كان في نيتها السياسية من خلال هذا اللقاء وحده. أما بنكيران، فكان أكثر وضوحا في الرسالة التي أراد إيصالها: يمكن التواصل، لكن موقع العدالة والتنمية في المعارضة ليس موضوعا للتفاوض. ومع ذلك، لم يغلق الباب أمام المنصوري. فقد ترك إمكانية اللقاء مفتوحة بعد أن تنتهي من تشكيل الحكومة وتنصيبها، مؤكدا أن العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة خصمان سياسيان وليسا عدوين. وفي النهاية، لم ينتج عن هذا التواصل الأول لقاء، لكنه كشف شيئا أهم من اللقاء نفسه: كيف يمكن لتفصيل بروتوكولي صغير أن يتحول، في بداية تشكيل حكومة جديدة، إلى اختبار مبكر لحدود العلاقة بين من يقود الحكومة ومن اختار المعارضة. فالمنصوري فتحت باب التواصل، وبنكيران لم يغلقه، لكنه أراد منذ اللحظة الأولى أن يحدد المسافة التي يرى أنها تفصل بين الطرفين. وهكذا، لم يكن السؤال الحقيقي فقط: أين سيلتقي الطرفان؟ بل كان: من يذهب إلى من، ومن يحدد شروط اللقاء، وما الذي سيعنيه هذا اللقاء سياسيا؟ وفي هذه التفاصيل الصغيرة، ظهر شد وجذب أكبر حول موقع المعارضة، وحدود التواصل، وصورة العلاقة التي يمكن أن تتشكل بين حكومة جديدة ومعارضة تستعد لتثبيت حضورها داخل المشهد السياسي.