الحصاد 24

“بحجة نويها لله وأعطيها للكافر بالله… لكن مع من؟”

alt=
إدريس طيطي/مجرد رأي
لم يعد ما نراه في شوارع مدننا تسولا بالمعنى الإنساني الذي تعارف عليه الناس، بل أصبح مشهدا يثير الغضب قبل الشفقة. فالتسول الذي كان يوما صورة من صور الحاجة والضيق، تحول في كثير من الأحيان إلى حرفة تمارس بوقاحة، وإلى مشهد يومي يثقل على أعصاب المواطن ويستفز كرامته.
نحن المغاربة شعب عرف بالرحمة والكرم. نمد أيدينا بالعطاء بنية صادقة، نردد دائما ذلك المثل الشعبي الذي يقول: نويها لله واعطيها للكافر بالله. لكن ما يحدث اليوم يجعل الإنسان يتوقف غاضبا متسائلا: إلى متى سيظل هذا الكرم مطية يستغلها من جعلوا التسول مهنة بلا حياء؟
في شوارع القنيطرة، كما في غيرها من المدن، لم يعد الأمر مجرد متسول يطلب لقمة خبز. بل صرنا أمام مشاهد مسرحية كاملة: رجل يعرض رجلا مزعومة البتر، وقد صب عليها سائلا أحمر يوحي بالدم، وآخر يدعي المرض أو الإعاقة، وثالث يقف عند المقاهي يرفع صوته بالبكاء والأنين وكأنه يؤدي دورا في مسرحية رخيصة.
ثم هناك أولئك الذين يتفننون في الحكايات: مرة يحتاج ثمن تذكرة سفر، ومرة ضاع ماله، ومرة يطلب دواء عاجلا. والغريب أن نفس الوجوه تكرر نفس القصص لسنوات طويلة، وكأن الزمن توقف عندهم عند تلك الحافلة التي لم يغادروها أبدا.
والأدهى من ذلك تلك الجرأة المفرطة التي اقتحمت حتى المقاهي والمحلات. تدخل متسولة إلى مقهى مكتظ بالناس، ترفع صوتها بالبكاء والتوسل بإلحاح مستفز، وكأنها تمارس حقا مكتسبا لا يمكن لأحد أن يعترض عليه.
أما إشارات المرور، فقد تحولت إلى مسرح آخر. نساء يدفعن بأطفال صغار نحو السيارات والمقاهي، بينما يقفن هن بعيدات يراقبن الغنيمة. أي مستقبل ننتظره لطفل يتعلم منذ صغره أن الطريق إلى المال هو مد اليد؟
كل هذا خلق وضعا مؤلما: لم يعد المواطن يثق في أي يد ممدودة. ضاعت الحدود بين المحتاج الحقيقي وبين من احترف الاستجداء. ووسط هذا الضجيج، هناك فقراء حقيقيون يعيشون في صمت، تأكلهم الحاجة لكن كرامتهم تمنعهم من السؤال.
لهذا أقولها بصراحة، وربما بغضب: ما يحدث لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية، بل صار عبثا يسيء إلى صورة المجتمع وإلى كرامة الإنسان نفسه. فالتسول حين يفقد الحياء يتحول من استجداء إلى ابتزاز عاطفي، ومن حاجة إنسانية إلى فوضى.
نحن اليوم على أبواب زكاة الفطر، وهي عبادة عظيمة تقوم على التكافل والتراحم. لكن ربما حان الوقت لنوجه صدقاتنا بوعي أكبر، نحو من نعرف حاجتهم فعلا، نحو الأقارب والجيران والأسر التي تعيش الفقر في صمت.
فالكرم لا يجب أن يكون بابا للخداع، والتعاطف لا يجب أن يتحول إلى سذاجة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يضيع المحتاج الحقيقي بين أيدي المتسولين الذين فقدوا حتى حياء السؤال.
Exit mobile version