الحصاد 24

انتهى كل شيء… جولة الحسم تكشف كلفة نصف قرن من الرهان الجزائري على نزاع مغربيةالصحراء

alt=
ادارة النشر
ادريس طيطي   -مجرد رأي-
تسارع الجولات التفاوضية الأخيرة، برعاية أمريكية مباشرة ووفق المرجعية التي حددها القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، يوحي بأن ملف الصحراء يقترب من محطة فاصلة. لم يعد الأمر مجرد إدارة نزاع طويل، بل محاولة واضحة لوضع نهاية سياسية له، في أفق زمني يبدو أقصر مما كان عليه في السابق.
المغرب يدخل هذا المسار بمقترح حكم ذاتي مفصل ومؤطر قانونيا، فيما تحضر الجزائر بصفة “ملاحظ”، رغم أن حضورها الفعلي في الملف ممتد لعقود. وهنا يبرز البعد الذي كثيرا ما يتم تجاهله: الكلفة.
على مدى ما يقارب خمسين سنة، انخرطت الجزائر في تمويل ودعم كيان وهمي سياسيا وعسكريا قائم على أطروحة الانفصال. نصف قرن من الدعم المالي، والدبلوماسي، والإعلامي، والتحركات في العواصم، والمساعدات المباشرة وغير المباشرة. ليس سهلا على أي دولة، مهما كانت مواردها، أن تمول نزاعا بهذا الطول دون أن يترك ذلك أثرا على أولوياتها الداخلية.
حين ننظر إلى الواقع الاجتماعي داخل الجزائر، تتبدى مفارقات صعبة الفهم: بلد غني بالغاز يعرف طوابير على الغاز. بلد شهد فيضانات وأمطارا غزيرة يعرف طوابير على الماء. بلد بإمكانات طبيعية معتبرة، لكن جزءا من شعبه يشتكي من ضغط المعيشة ونقص بعض المواد الأساسية. هل هي لعنة؟ أم سوء تدبير؟ أم أن هناك علاقة بين استنزاف طويل في ملف خارجي وبين اختلال الأولويات في الداخل؟
لا يمكن اختزال كل مشاكل الجزائر في قضية واحدة، فهذا تبسيط مخل. لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن تمويل نزاع إقليمي لعقود، وتخصيص موارد ضخمة له، والتورط في سباق دبلوماسي مفتوح مع المغرب، كلها عناصر لها كلفة سياسية واقتصادية. بل إن بعض القراءات ترى أن الدعم لم يقتصر على الجبهة المعنية مباشرة، بل امتد أحيانا إلى سياسة “العطاء السخي” لكل من يردد أطروحة معينة في المحافل الدولية، في محاولة لكسب مواقف ظرفية.
إذا كانت هذه القراءة صحيحة جزئيا أو كليا، فإن السؤال يصبح مشروعا: ماذا كان يمكن أن يحدث لو وجه جزء من تلك الموارد إلى تنمية الداخل؟ إلى البنية التحتية؟ إلى تحسين الخدمات الأساسية؟ إلى امتصاص البطالة؟
اليوم، ومع اقتراب جولة جديدة قد تكون حاسمة، يبدو أن الجزائر أمام اختبار مزدوج: اختبار خارجي يتعلق بمآلات التفاوض، واختبار داخلي يتعلق بكيفية تبرير حصيلة نصف قرن من الصراع إذا ما انتهى بتسوية لا تعكس الخطاب التقليدي. كيف سيشرح للشعب أن مسارا طويلا ومكلفا انتهى إلى حل وسط؟ وكيف ستقرأ المفارقة بين بلد بثروات طاقية هائلة ومواطنين يصطفون في طوابير للحصول على أساسيات الحياة؟
قد لا تكون الصحراء “السبب الوحيد” لكل الأزمات، لكن من الصعب أيضا فصل الأزمة الداخلية عن خيار استراتيجي استمر خمسين سنة. وإذا كانت جولة واشنطن محطة الحسم، فقد تكون أيضا لحظة مراجعة كبرى داخل الجزائر نفسها: مراجعة الأولويات، ومساءلة الخيارات، وطرح السؤال البسيط الذي قد يتردد في الشارع يوما ما… ماذا جنينا؟
Exit mobile version