الحصاد 24

المغرب وتجربته في تأمين التظاهرات الكبرى وترسيخ موقعه في منظومة الأمن الدولي

alt=
ادريس طيطي
في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها الأمن الدولي، لم يعد تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى مجرد مسألة تنظيمية أو لوجستية، بل أصبح اختبارا حقيقيا لقدرة الدول على الاندماج ضمن شبكات معقدة من التنسيق الاستخباراتي والتعاون العملياتي. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كأحد الفاعلين الذين نجحوا في الانتقال من موقع “المستضيف المحتمل” إلى موقع “الشريك الأمني الموثوق” داخل منظومة دولية آخذة في التشكل.
مقال تحليلي حديث على منصة Western Standard أعاد تسليط الضوء على هذا التحول، من خلال قراءة تجربة المغرب في تأمين الأحداث الكبرى، ليس فقط من زاوية مشاركته في تظاهرات سابقة، بل من حيث قدرته على تصدير نموذج أمني قائم على الاستباقية والتكامل. فالمملكة لم تكتف بتأمين محيطها الداخلي، بل انخرطت خلال السنوات الأخيرة في دعم جهود دولية، سواء عبر التعاون مع قطر خلال مونديال 2022، أو من خلال مساهمتها في دعم الترتيبات الأمنية المرتبطة بالألعاب الأولمبية بباريس، وصولا إلى انخراطها في الدينامية الجارية استعدادًا لكأس العالم 2026.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا الحضور المغربي لا تكمن في البعد الرمزي، بل في موقعه داخل البنية العملياتية للتعاون الأمني الدولي. فالتجارب الحديثة أظهرت أن تأمين تظاهرات بهذا الحجم لم يعد يدار عبر أجهزة وطنية منفردة، بل عبر مراكز تنسيق متعددة الجنسيات، يتم فيها تبادل المعلومات بشكل فوري، وتقييم المخاطر بشكل جماعي، بما يضمن الاستجابة السريعة لأي تهديد محتمل، سواء كان إرهابيا أو سيبرانيا أو مرتبطا بالجريمة المنظمة أو حتى بالعنف الجماهيري.
في هذا الإطار، يفهم انخراط المغرب ضمن منظومة التعاون المرتبطة بمونديال 2026 باعتباره امتدادا لمسار طويل من بناء الثقة مع شركائه الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. فواشنطن، التي تستعد لتنظيم نسخة استثنائية من كأس العالم من حيث عدد المنتخبات واتساع الرقعة الجغرافية، تبحث عن شركاء يمتلكون خبرة ميدانية قابلة للتشغيل الفوري، وهو ما يتوفر في النموذج المغربي الذي راكم تجربة عملية في تدبير الحشود، وتأمين الملاعب، وتنسيق الجهود بين مختلف الأجهزة.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة لإعادة هيكلة عميقة شهدتها المنظومة الأمنية المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث تم الاستثمار في التكوين، وتحديث الوسائل التقنية، وتعزيز التعاون الاستخباراتي مع شركاء دوليين. وقد مكنت هذه المقاربة من تطوير قدرة استباقية في مواجهة التهديدات، وهو ما جعل الأجهزة الأمنية المغربية تحظى بإشادة متكررة من قوى دولية، خصوصًا في ما يتعلق بتفكيك الشبكات الإرهابية قبل تنفيذ مخططاتها.
ومن اللافت أن النقاش الدائر في بعض الدول المنظمة، مثل كندا، ما زال يركز بشكل كبير على الكلفة الاقتصادية والعائدات المنتظرة، في حين تشير التحليلات المتخصصة إلى أن الرهان الحقيقي يظل أمنيا بالدرجة الأولى. فنجاح أي تظاهرة كبرى لا يقاس فقط بعدد الجماهير أو المداخيل، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل سنوات من التخطيط إلى منظومة فعالة تحت الضغط، قادرة على ضبط تدفقات الجماهير، وتأمين الفضاءات، ومنع الاختراقات بمختلف أشكالها.
وفي هذا الصدد، تبرز أهمية المقاربة الشمولية التي تجمع بين الأمن الميداني واليقظة السيبرانية وتدبير الحدود، إلى جانب محاربة الاحتيال وتنظيم مساطر الولوج. وهي عناصر لم تعد ثانوية، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن في التظاهرات الكبرى، خصوصا في ظل التهديدات الهجينة التي تمزج بين الرقمي والميداني.
إن إدماج المغرب في هذه الدينامية الدولية يعكس، في العمق، تحولا في طبيعة الأدوار داخل النظام الأمني العالمي. فالدول التي تنجح اليوم ليست فقط تلك التي تحمي حدودها، بل التي تساهم في حماية الفضاءات المشتركة، عبر تبادل الخبرات والانخراط المبكر في شبكات التعاون. ومن هذا المنطلق، تبدو مشاركة المغرب في ترتيبات مونديال 2026 فرصة مزدوجة: فهي من جهة تعزز موقعه كشريك موثوق، ومن جهة أخرى تتيح له الاستفادة من تجربة تنظيمية معقدة، ستكون ذات قيمة استراتيجية في أفق استحقاقات كبرى قادمة، وعلى رأسها كأس العالم 2030.
في المحصلة، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان المغرب حاضرا في هذه المنظومة، بل كيف يوظف هذا الحضور لتحويله إلى رصيد مؤسساتي دائم. فالعالم يتجه نحو نموذج أمني قائم على الشبكات، والمغرب، بخبرته المتراكمة وخياراته الاستراتيجية، يسعى بوضوح إلى أن يكون جزءا فاعلا في هذا التحول، لا مجرد طرف مشارك فيه.
Exit mobile version