المغرب أمام اختبار إنساني متصاعد أكثر من 23 ألف لاجئ وطالب لجوء يكشفون تحولات خريطة الهجرة بالمملكة
بقلم/ سيداتي بيدا
لم يعد المغرب مجرد محطة عبور ضمن المسارات الإفريقية والأوروبية للهجرة، بل أصبح أمام واقع إنساني متنامٍ يفرض تحديات متشعبة على مؤسسات الدولة ومنظومة الحماية الاجتماعية والحقوقية. فالأرقام الجديدة الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تكشف عن حجم التحولات التي باتت تعرفها المملكة في ملف اللجوء، بعدما بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين 23 ألفاً و615 شخصاً إلى غاية 30 يونيو 2026.
وتكشف المعطيات الواردة في النشرة الرسمية للمفوضية أن هذا العدد يتوزع بين 10 آلاف و538 شخصاً حصلوا على صفة لاجئ، مقابل 13 ألفاً و77 طالب لجوء لا تزال ملفاتهم في انتظار استكمال مساطر البت والتقييم. وهي أرقام تعكس اتساع دائرة الأشخاص الباحثين عن الحماية الدولية فوق التراب المغربي، وتضع تدبير هذا الملف أمام مسؤوليات متزايدة تتجاوز المقاربة الأمنية التقليدية.
واللافت في هذه المؤشرات أن الوافدين من السودان أصبحوا يشكلون المجموعة الأكبر بين المسجلين، بواقع 6 آلاف و816 شخصاً، متقدمين على السوريين الذين بلغ عددهم 5 آلاف و239 شخصاً، فيما سجلت جنسيات غينيا وكوت ديفوار وجمهورية إفريقيا الوسطى حضوراً بارزاً ضمن هذه التركيبة السكانية المتعددة.
وتزداد دلالة هذه الأرقام بالنظر إلى أن المواطنين السودانيين مثلوا 68 في المائة من مجموع التسجيلات الجديدة خلال النصف الأول من سنة 2026، بمعدل متوسط بلغ 233 تسجيلاً شهرياً، في انعكاس مباشر لتداعيات الحرب المستمرة في السودان وما تفرزه من موجات نزوح قسري.
لكن المؤشر الأكثر حساسية في تقرير المفوضية يتعلق بالأطفال غير المصحوبين بذويهم، الذين يمثلون شخصاً واحداً من بين كل تسعة أشخاص جدد جرى تسجيلهم، وهو معطى يسلط الضوء على هشاشة فئات تحتاج إلى حماية خاصة ورعاية اجتماعية ونفسية وقانونية.
وأمام هذا الواقع، لم يعد التحدي مقتصراً على استقبال الوافدين وتسجيل طلباتهم، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة منظومة اللجوء على توفير الإيواء والعلاج والتعليم والمواكبة القانونية، إلى جانب تسريع معالجة الملفات وتعزيز فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
إن ارتفاع أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء يفرض الانتقال من التدبير الظرفي إلى سياسة مؤسساتية أكثر استدامة، تقوم على توزيع المسؤوليات وتعبئة الموارد وتعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية والشركاء الدوليين والمجتمع المدني.
فالمسؤولية الإنسانية لا تقاس فقط بفتح أبواب الحماية، وإنما أيضاً بضمان شروط العيش الكريم وصون الكرامة الإنسانية. والمغرب، وهو يرسخ موقعه كبلد استقبال وحماية، يجد نفسه أمام إختبار حقيقي يتمثل في تحويل التزاماته الإنسانية إلى أليات عملية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في خريطة النزوح الإقليمي .