الحصاد 24

القائدة التي لم تقل وأنا مالي!!!!

alt=
إدريس طيطي -مجرد رأي –
في خضم الجدل الذي رافق واقعة تدخل السيدة القائدة في نقاش حول ثمن الأضحية، انقسم الناس بين من تشبث بحرفية الاختصاص القانوني، وبين من حاول قراءة المشهد من زاوية إنسانية واجتماعية أعمق.  ببساطة، قالت أن “هاد الحولي بزاف عليه 70 ألف… هذا ثمنه 50 ألف”. كانت تتحدث بعفوية إنسانية أكثر مما كانت تمارس سلطة إدارية. وكانت، تراعي ظروف الطرفين معا؛ تعرف أن هناك بائعا بسيطا يكد ويتعب، لكنها في المقابل كانت ترى أن بعض “الشناقة” حولوا المناسبة الدينية إلى باب للمبالغة والاستغلال.
المؤسف أن بعض التدخلات اكتفت فقط بجملة: “ليس من حقها تحديد الثمن”، وتوقفت عندها، تماما كما يفعل من يقرأ قوله تعالى: “فويل للمصلين”، دون أن يكمل: “الذين هم عن صلاتهم ساهون”. أي أنهم أخذوا ظاهر الكلام وتركوا المقصود الحقيقي منه.
القائدة لم تكن تحدد ثمنا بقدر ما كانت توصل رسالة أخلاقية ليس إلا…لكن  أن بعض القراءات ذهبت بعيدا في محاكمة المرأة أكثر مما ناقشت أصل المشكلة، وكأن الأزمة ليست في الغلاء ولا في جشع بعض السماسرة، بل فقط في رد فعل مسؤولة لم تستطع أن تخفي انفعالها أمام واقع يوجع الناس.

نعم، نحن مع احترام القانون، ومع ضرورة أن تمارس كل جهة اختصاصها داخل الإطار المحدد لها. وتحديد الأسعار لا يتم بالعاطفة أو الارتجال، بل عبر مؤسسات وآليات قانونية واضحة. هذا أمر لا خلاف حوله. لكن، هل المطلوب من المسؤول حين يرى مواطنا مسحوقا أو سوقا يشتعل بالأسعار أن يتحول إلى آلة صامتة بلا إحساس؟ وهل أصبح التعبير عن الانحياز للفقراء جريمة تستحق كل هذا التهكم؟
ما وقع، في تقديري، لم يكن قرارا إداريا لوضع الأسعار بقدر ما كان لحظة إنسانية انفجرت فيها غريزة امرأة رأت بأم عينها كيف تحولت مناسبة دينية وروحية إلى فرصة عند بعض “الشناقة” للمبالغة والاستغلال. هي لم تصدر قانونا، ولم توقع مرسوما، لكنها تفاعلت بعفوية مع مشهد يستفز أي إنسان ما زال يحتفظ بذرة إحساس تجاه أنين البسطاء.
الغريب أن البعض ترك أصل الوجع، وركض فقط خلف مسألة: “ليس من حقها تحديد الثمن”. حسنا، فلنتنازل جميعا ونقل إنها ليست الجهة المخول لها ذلك. لكن أين كانت هذه الحماسة القانونية حين ارتفعت الأسعار بشكل جنوني؟ وأين هي هذه الغيرة على “القانون” أمام من يستغل حاجة الناس ومواسمهم الدينية؟ لماذا يصبح القانون صارما فقط حين يتفاعل مسؤول مع المواطن البسيط، بينما يغيب النقاش الحقيقي حول جشع الوسطاء والسماسرة؟
الأخطر من كل هذا، أننا أحيانا نقتل داخل بعض المسؤولين ذلك الإحساس الإنساني الجميل، وندفعهم دفعا نحو عقلية باردة اختارها كثيرون من قبل، عقلية “وأنا مالي؟”. نعم، “وأنا مالي؟”… العبارة التي أصبحت عند البعض وسيلة للهروب من وجع الناس ومن صداع المشاكل ومن حرق الرأس. يؤدي واجبه الإداري بالقياس، يوقع الأوراق، يمر بجانب المعاناة، ثم يغادر مرتاح الضمير لأنه لم “يتدخل”.
لكن السيدة القائدة، في تلك اللحظة، لم تقل: “وأنا مالي؟”. لم تستطع أن ترى المشهد وتصمت. انتقدت وتدخلت، سواء اتفقنا أو اختلفنا حول أحقيتها القانونية في ذلك، لكنها تحركت بدافع الإحساس بأنين الضعفاء. وربما كان بإمكانها أن تلتزم الصمت، وأن تترك المواطن يواجه الغلاء وحده، ثم تردد العبارة السهلة التي يختبئ خلفها كثيرون: “وأنا مالي؟”. لكنها لم تفعل.
لقد رأى كثير من المواطنين في ذلك التدخل رسالة رمزية أكثر منه إجراء قانونيًا؛ رسالة تقول إن هناك من شعر بالناس ولو للحظة، ومن رفض أن يمر المشهد ببرود المعتاد. وربما لهذا تعاطف معها البسطاء، لأنهم لم يروا فيها سلطة متعالية، بل امرأة من أبناء هذا الشعب، استفزها الثمن كما استفز الأسر التي أصبحت تنظر إلى الأضحية بحسرة بدل الفرح.
المؤسف فعلا ليس تدخل القائدة، بل أن يتحول النقاش أحيانا إلى جلد لكل صوت حاول أن ينحاز للمواطن البسيط. وكأن المطلوب من الجميع أن يراقبوا بصمت، بينما يضحك المستغلون ويواصلون العبث بجيوب الناس دون رقيب أخلاقي أو اجتماعي.
نحن لا نحتاج فقط إلى مسؤولين يطبقون النصوص، بل نحتاج أيضا إلى مسؤولين يشعرون بالناس. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الإدارة ليس تجاوز العاطفة للقانون، بل موت الإحساس بالكامل.
#القائدة_التي_لم_تقل_وأنا_مالي
#الغلاء
#حماية_المستهلك
#ضد_الشناقة
#صوت_المواطن
Exit mobile version