الحصاد 24

الجزائر بين قبضة السياسة العسكرية وتنفيذ تبون للأجندات… عداء مجاني يعمق الأزمات

alt=
ادريس طيطي- مجرد رأي-
لم يعد ما يجري في الجزائر مجرد مواقف سياسية عابرة، بل أصبح نمطا متكررا من التناقضات التي تطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق تدبير الملفات داخليا وخارجيا.
في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، لم يعد من السهل إقناع الشعوب بأخبار لا تستند إلى حقائق. ومع ذلك، يستمر الخطاب الرسمي في توجيه الرأي العام نحو قضايا خارجية، وعلى رأسها المغرب، عبر الترويج لإشاعات لا تصمد أمام واقع مفتوح يعرف فيه العالم كل التفاصيل في ثوان قليلة.
وفي خضم هذه التحولات، برزت مؤخرا أحداث البليدة المرتبطة بعملية إرهابية، وهي حوادث يمكن أن تقع في أي مكان في العالم، إذ لم تعد أي دولة بمنأى عن هذا الخطر. غير أن طريقة التعاطي مع مثل هذه الأحداث هي التي تصنع الفارق. فبدل اعتماد الوضوح والتواصل المسؤول، يلاحظ توجه نحو التعتيم أو التقليل من حجم الحدث، وهو ما يفتح الباب أمام التأويلات ويضعف ثقة الرأي العام.
غير أن هذه المظاهر ليست معزولة، بل هي نتيجة مباشرة لنهج سياسي غير مستقر في استراتيجيته. فحين تغيب الرؤية الواضحة، يتم تعويضها بخطاب تعبوي يقوم على خلق خصوم خارجيين وتغذية مشاعر التوجس وعدم الانسجام مع الشعوب الأخرى. وهكذا يجد المواطن نفسه محاطا بسردية قائمة على الحقد والاصطفاف، بدل الانفتاح والتوازن.
هذا التيهان في تدبير الدولة جعل النظام ينغلق على نفسه داخل ما يشبه برجا عاجيا، بعيدا عن الواقع اليومي للمواطن، الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وثقافية متزايدة. وبينما تتفاقم هذه الأوضاع، يتم توجيه الاهتمام نحو قضايا جانبية، لا تعالج جوهر الإشكال، بل تؤجله.
دعونا نتذكر هنا ما وقع في الملف السوري. فقد ساندت الجزائر نظام بشار الأسد في مرحلة دموية عاشها الشعب السوري، حيث ارتبط موقفها بدعم مباشر أو غير مباشر، مع حديث عن إرسال عناصر ومساندة جبهة البوليساريو للانخراط في القتال على الأراضي السورية. غير أن هذا الموقف سرعان ما تحول بشكل لافت بعد تغير المعادلة، إذ سارعت الجزائر، في مشهد مثير للاستغراب، إلى إرسال وزير خارجيتها في محاولة للتقرب من القيادة الجديدة، بل وطلب العفو عن متورطين في أعمال عنف ضد الشعب السوري، وهو ما يعكس تخبطا واضحا في الرؤية وتناقضا في المواقف.
وفي السياق نفسه، يزداد هذا التناقض وضوحا في التعاطي مع ملف الصحراء، حيث لا يتردد الإعلام الرسمي الجزائري في الحديث عن عمليات عسكرية تنفذها جبهة البوليساريو ضد الجيش المغربي، انطلاقا من أراض جزائرية. وهو ما يطرح إشكالا قانونيا خطيرا، إذ كيف يمكن لدولة أن تسمح باستخدام ترابها لتنفيذ هجمات ضد دولة أخرى، في الوقت الذي تصف فيه نفس هذه العناصر باللاجئين؟ هذا الجمع بين صفة اللجوء والعمل المسلح يطرح علامات استفهام عميقة حول طبيعة هذا الخطاب، ويضعه في مواجهة مباشرة مع قواعد القانون الدولي ومبادئ السيادة بين الدول.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى محيط إقليمي أوسع، حيث وجهت انتقادات متكررة للجزائر بخصوص تدخلها في شؤون عدد من الدول مثل ليبيا ومالي وتونس وموريتانيا، وهو ما ساهم في خلق توتر في علاقاتها مع محيطها بدل تعزيز التعاون والاستقرار.
وفي قلب هذا المشهد، يطرح دور الرئيس عبد المجيد تبون، الذي يرى فيه كثير من المتابعين مجرد منفذ لسياسات يتم رسمها خارج الإطار المدني، في ظل حضور قوي للمؤسسة العسكرية في توجيه القرار السياسي، وهو ما يعيد طرح سؤال من يتحكم فعليا في توجهات الدولة.
كل هذه المعطيات تعكس صورة لسياسة خارجية متقلبة، وخطاب إعلامي متناقض، وانخراط مستمر في صراعات لا تعود بالنفع على المواطن الجزائري، الذي يبقى في حاجة إلى سياسات تركز على التنمية وتحسين الأوضاع الاجتماعية.
يبقى السؤال مطروحا: أليس من الأجدر توجيه ثروات البلاد نحو الداخل بدل استنزافها في صراعات خارجية ودعم أطراف تزيد من تعقيد المشهد؟
حان الوقت لإعادة النظر في هذه السياسات، واعتماد مقاربة أكثر واقعية، تقوم على تغليب مصلحة الشعب، والابتعاد عن منطق التصعيد والتدخل في شؤون الآخرين.
Exit mobile version