الحصاد 24

الأمن والأمان مسؤولية جماعية وأحكام لا تتساهل مع الجريمة

alt=
إدريس طيطي -مجرد رأي –
لا شيء أثمن عند المواطن من أن يعيش آمنا مطمئنا في وطنه، يخرج إلى عمله ويعود إلى أسرته دون خوف، يتجول في الشارع ويستقل الحافلة ويقضي حاجياته وهو يشعر أن هناك دولة تحميه وقانونا يصون كرامته. فالأمن ليس مسألة يمكن غفلها، بل هو أول حق يتمناه الإنسان في بلده، وهو الصورة الحقيقية التي تجعل الأوطان محترمة في أعين أبنائها وزوارها.
لكن أحيانا يصدمنا الواقع بمشاهد تزرع الرعب في النفوس، مثل ذلك الاعتداء الخطير الذي تعرض له سائق حافلة للنقل الحضري، بعدما اقتحم شخص مدجج بسيف كبير الحافلة وعنف السائق وسرق ما بحوزته تحت التهديد. مشهد صادم وثقته الكاميرات وانتشر بسرعة، لأنه لم يكن مجرد سرقة عابرة، بل كان صورة مرعبة لعنف يمكن أن ينتهي بكارثة حقيقية.
ذلك السائق المسكين خرج فقط من أجل لقمة العيش، من أجل أسرته وأبنائه، لكنه وجد نفسه وجها لوجه أمام شخص لا يتردد في الضرب وربما القتل. ولو قاوم السائق أو حاول الدفاع عن نفسه، ربما كنا اليوم نتحدث عن جريمة قتل أو عاهة مستديمة. لذلك كان تصرفه بعدم المقاومة حكيما، لأن المجرم لم يكن يبحث عن نقاش أو خصام، بل كان يحمل نية الترهيب والإجرام منذ اللحظة الأولى.
وفي المقابل، لا يمكن إلا أن نسجل التدخل السريع لعناصر الدرك الملكي التي تحركت بناء على معلومات دقيقة، وتمكنت من توقيف المعتدي في وقت وجيز. وهذا يعكس أن الأجهزة الأمنية تظل يقظة في مواجهة مثل هذه الأفعال الإجرامية التي تهدد أمن المواطنين واستقرارهم.
لكن السؤال الذي يطرحه أغلب المغاربة بعد مشاهدة الفيديو هو: ما العقوبة التي يستحقها شخص ينشر الرعب وسط الناس بهذا الشكل؟ وهل يكفي التوقيف وحده، أم أن المرحلة القادمة يجب أن تكون عنوانها الصرامة وعدم التساهل؟
هناك جرائم لا يمكن التعامل معها بخفة، لأن التساهل فيها يفتح الباب أمام مزيد من التهور والإجرام. فعندما يتحول السلاح الأبيض إلى وسيلة لترهيب المواطنين داخل وسائل النقل، فالأمر لم يعد مجرد انحراف فردي، بل تهديد مباشر للإحساس الجماعي بالأمن. ومثل هذه الأفعال تسيء أيضا لصورة البلد، لأن الأمن عنصر أساسي في جذب الزوار والاستثمار والسياحة.
المؤلم أكثر أن بعض هؤلاء لا يريدون العمل ولا البحث عن الحلال، بل اختاروا الطريق السهل عبر السرقة وترويج المخدرات والعنف، غير مكترثين بمصير ضحاياهم ولا بصورة وطنهم. لذلك فإن تشديد العقوبات في مثل هذه الجرائم أصبح ضرورة، ليس بدافع الانتقام، بل لحماية المجتمع وردع كل من تسول له نفسه زرع الخوف وسط المواطنين.
جنودنا الأبطال يرابطون على الحدود لحماية الوطن من الأعداء، ويقدمون التضحيات حتى يبقى المغرب آمنا مستقرا، ومن الواجب أيضا أن يستمر نفس النضال داخل الوطن، عبر حماية الشوارع ووسائل النقل والأحياء من كل من يحاول نشر الرعب أو تهديد أمن المواطنين.
ومن هنا، فإن المجهودات الكبيرة التي تقوم بها مختلف الأجهزة الأمنية يجب أن تتوج بأحكام قضائية صارمة ورادعة، حتى يلمس المواطن وجود عمل جماعي حقيقي بين الأمن والهيئة القضائية في مواجهة الجريمة. فحين تكون هناك سرعة في التدخل الأمني، ويواكبها حزم قضائي يضع كل مجرم أمام مسؤوليته، يشعر المجتمع بأن الدولة تتحرك بمنطق واحد هدفه حماية المواطن وصون الأمن العام.
إن مواجهة الجريمة ليست مسؤولية جهاز واحد فقط، بل هي نضال جماعي بين رجال الأمن بمختلف تلاوينهم والهيئة القضائية وكل مؤسسات الدولة، من أجل الوصول إلى مجتمع أكثر أمنا واستقرارا، ومن أجل تقليص الجريمة إلى أدنى مستوى ممكن. فالأمن حينها لا يصبح مجرد شعار، بل واقعا يعيشه المواطن في يومه العادي، وهو يخرج من بيته مطمئنا على نفسه وأسرته.
إن العقوبة الصارمة في حق هذا المعتدي لن تكون فقط جزاء على فعلته، بل رسالة واضحة لكل من يفكر في سلوك طريق الإجرام، بأن أمن المواطنين خط أحمر، وأن هيبة الدولة لا يجب أن تمس، وأن المغرب سيظل بلدا آمنا بفضل تضحيات جنوده على الحدود ويقظة رجاله في الداخل، وبفضل تكامل الجهود بين الأمن والقضاء في معركة مشتركة عنوانها: لا مكان للرعب داخل الوطن.
Exit mobile version