الحصاد 24

استقالة بوعيدة صفعة سياسية في وجه هندسة التزكيات.

alt=
بقلم / سيداتي بيدا
لم تكن استقالة الدكتور عبد الرحيم بوعيدة من حزب الاستقلال ومجلس النواب مجرد انسحاب سياسي هادئ يمكن طيّه ببيان مقتضب، بل جاءت كـصفعة مدوية على وجه منطق التزكيات المغلقة، ورسالة شديدة اللهجة إلى مطابخ القرار التي تتعامل أحياناً مع الكفاءات والمناضلين بمنطق الأرقام والولاءات، لا بمنطق الاستحقاق والجدارة.
بوعيدة لم يخرج من الباب الخلفي للسياسة، ولم يختبئ خلف لغة دبلوماسية باهتة. اختار أن يضع الاستقالة فوق الطاولة، وأن يحوّلها إلى موقف سياسي يحمل أكثر من دلالة، خصوصاً في سياق تتزايد فيه الانتقادات لطريقة تدبير الترشيحات وصناعة الخرائط الانتخابية داخل بعض الأحزاب.
القضية هنا ليست عبد الرحيم بوعيدة وحده، ولا مقعداً برلمانياً، ولا دائرة انتخابية. القضية أعمق بكثير: هل ما تزال الأحزاب السياسية فضاءً لصناعة النخب والكفاءات، أم تحولت في بعض الحالات إلى مختبرات لإعادة توزيع النفوذ وتدبير الولاءات؟
ذلك هو السؤال الذي فرض نفسه بقوة.
فالتزكية الانتخابية، في أصلها، آلية تنظيمية ضرورية لاختيار المرشحين.
لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى عصا سياسية تُرفع في وجه الأصوات المستقلة، أو إلى مكافأة تمنح لمن يجيد الاقتراب من مراكز القرار أكثر مما يجيد الاقتراب من المواطنين.
وهنا تحديداً تكمن المعضلة.
لا يمكن لحزب أن يرفع راية الديمقراطية في وجه الناخبين، ثم يسمح داخل بيته بممارسات تجعل القواعد الحزبية تشعر بأن قرارات مصيرية تحسم في غرف مغلقة. ولا يمكن مطالبة المواطن بالثقة في المؤسسات، بينما يجد المناضل نفسه مضطراً إلى الاختيار بين قناعته السياسية وحقه في الاستمرار داخل المشهد.
الاستقالة، بهذا المعنى، أعادت فتح ملف مؤلم أزمة الديمقراطية الداخلية، وسط حاجة ملحة إلى قواعد أكثر شفافية في اختيار المرشحين، ومعايير واضحة لا تجعل التزكية امتيازاً شخصياً أو ورقة ضغط تنظيمية.
والأخطر أن استمرار هذا المنطق قد يدفع الكفاءات إلى الانسحاب، ويترك المجال أمام منطق آخر أكثر خطورة: سياسة بلا مناضلين، وتنظيمات بلا أصوات حرة، وانتخابات بلا نخب قادرة على الإقناع.
إن الأحزاب لا تُقاس بعدد مقاعدها فقط، بل بقدرتها على احترام المختلف داخلها. فالاختلاف ليس خيانة، والنقد ليس تمرداً، والاستقلالية ليست جريمة سياسية.
وفي النهاية، قد تكون خسارة مقعد انتخابي قابلة للتعويض، لكن خسارة الثقة أصعب بكثير.
استقالة بوعيدة إذن ليست مجرد استقالة؛ إنها جرس إنذار قوي: عندما تصبح التزكية أقوى من الاستحقاق، وعندما تصبح الكواليس أقوى من القواعد، فإن الخطر لا يهدد شخصاً أو حزباً فقط، بل يهدد المعنى الحقيقي للعمل السياسي .
#بوعيدة #عبدالرحيم_بوعيدة #استقالة_بوعيدة #حزب_الاستقلال #مجلس_النواب #التزكيات_الانتخابية #الديمقراطية_الداخلية #الأحزاب_السياسية #السياسة_المغربية #الانتخابات_المغربية #الترشيحات_الانتخابية #الكفاءات_السياسية #النخب_السياسية #الاستحقاق_السياسي #الشفافية_الحزبية #الإصلاح_السياسي #الثقة_السياسية #المشهد_السياسي_المغربي #المغرب #صوت_المناضلين #الديمقراطية
Exit mobile version